‏احذر أن تؤذي غرابا ... قد يتذكرك لسنوات ويتعرف إلى وجهك

‏هل تتذكر الغربان وجوه البشر؟ العلم يكشف حقيقة هذه القدرة ‏( مصدر الصور: Freepik ) ‏هل تتذكر الغربان وجوه البشر؟ العلم يكشف حقيقة هذه القدرة ‏( مصدر الصور: Freepik )

تستطيع الغربان تذكر وجوه البشر والتعرف إليها، وقد أكدت هذه القدرة تجارب علمية خضعت لظروف مضبوطة، ثم تمكن الباحثون لاحقا من تفسيرها على مستوى نشاط الدماغ.

‏وتستطيع الغربان الأمريكية التمييز بين الوجه المألوف والوجه غير المألوف حتى وسط مجموعة من الأشخاص، كما يمكنها تذكر شخص تعتبره خطرا لسنوات طويلة، ونقل المعلومات المرتبطة به إلى غربان أخرى.

‏لكن كيف تعمل هذه القدرة؟ وأين تنتهي الحقائق العلمية وتبدأ المبالغات؟

‏تجربة الأقنعة التي غيرت فهم العلماء للغربان

ذاكرة الغربان ‏( مصدر الصور: Freepik )

‏في عام 2006، لاحظ عالم الحيوان جون مارزلوف من جامعة واشنطن أن الغربان التي كان فريقه يمسك بها ويضع عليها حلقات تعريفية أصبحت أكثر عدوانية عند رؤيته مجددا.

‏وبدا أن الطيور تتذكر وجها محددا، بينما لم يكن للملابس أو طريقة المشي تأثير مماثل.

‏لاختبار هذه الفكرة، ارتدى الباحثون أقنعة مطاطية أثناء اصطياد الغربان باستخدام شبكة.

‏واستخدم الباحثون قناعا يحمل ملامح خشنة تشبه وجه رجل الكهف أثناء الإمساك بالطيور، بينما كانوا يرتدون قناعا يحمل صورة ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي السابق، عند المرور بالقرب من الغربان دون إيذائها.

‏وبعد عدة أسابيع، بدأت الغربان تصرخ عند رؤية قناع رجل الكهف، بينما لم يسبب قناع تشيني الاستجابة نفسها.

‏وفي الجزء الضابط من التجربة، قلب العلماء القناع رأسا على عقب أو وضعوه خلف الرأس، ومع ذلك ظلت الطيور قادرة على التعرف إلى الوجه الذي ربطته بالخطر.

‏وأشارت النتائج إلى أن الغربان تتذكر الوجه نفسه، وليس هيئة الشخص كاملة.

‏الغربان قد تتذكر الوجه لسنوات

‏استمرت مراقبة الغربان التي تم وضع علامات عليها في مدينة سياتل لما يقارب ثلاث سنوات بعد عملية الإمساك بها.

‏وظلت الطيور تتذكر وجه رجل الكهف، بل ازدادت حدة استجابتها مع مرور الوقت.

‏ففي الأشهر الأولى، كانت أعداد قليلة من الغربان تستجيب للقناع، بينما بعد أكثر من عامين أصبحت نحو ثلثي الغربان التي واجهها الباحثون تصرخ بشكل عدواني عند رؤيته.

‏ووفقا لمراجعات علمية لاحقة، احتفظت غربان سياتل بذاكرة سلبية تجاه وجه معين لمدة وصلت إلى 17 عاما.

‏وتعد هذه المدة طويلة للغاية، وتقترب من متوسط مدة حياة الغراب في البرية.

‏كيف تنتقل المعلومة إلى الغربان الأخرى؟

‏الأكثر إثارة في تجربة الأقنعة لم يكن أن الغربان التي تعرضت للإمساك تذكرت الوجه فقط، بل أن غربانا أخرى لم تتعرض للإمساك بدأت أيضا بالصراخ عند رؤية القناع نفسه.

‏كما أن فراخا فقست بعد انتهاء التجربة أظهرت سلوكا مشابها لسلوك الغربان البالغة التي كانت لديها تجربة مباشرة مع عملية الإمساك.

‏واقترح مارزلوف وزملاؤه أن الغربان يمكنها تعلم الخوف من أشخاص محددين من خلال مراقبة ردود أفعال والديها وأفراد المجموعة الأخرى.

‏وتبدو آلية انتقال المعلومات على النحو الآتي:

‏عندما يمسك البشر بغراب يرتدون قناعا معينا، يتذكر الغراب الوجه ويربطه بتجربة الخوف.

‏وعندما يرى الغراب الشخص نفسه مرة أخرى، يبدأ في إطلاق صرخات تحذيرية.

‏وتسمع الغربان الأخرى هذه الصرخات، وتلاحظ الشخص الذي تستهدفه، ثم تتعلم ربط ذلك الوجه بالخطر.

‏وبهذه الطريقة يمكن أن تتشكل ذاكرة جماعية داخل مجموعة الغربان.

‏ماذا يحدث في دماغ الغراب؟

‏لم يكتف علماء الأعصاب في جامعة واشنطن بالملاحظات السلوكية، بل حاولوا معرفة ما يحدث داخل أدمغة الطيور.

‏واستخدم الباحثون التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET)، وهي تقنية تسمح بتحديد مناطق الدماغ التي تستهلك كميات أكبر من الغلوكوز، وبالتالي تكون أكثر نشاطا.

‏وعرض العلماء على الغربان وجوها بشرية باستخدام الأقنعة، بينما سجل جهاز التصوير نشاط أدمغتها.

‏وأظهرت النتائج اختلافا واضحا في نشاط الدماغ بحسب المعنى المرتبط بالوجه.

‏فعند رؤية الوجه الذي ارتبط بالخطر، نشطت مناطق مرتبطة بالخوف والتعلم من التجارب السلبية، ومنها اللوزة الدماغية والمهاد وجذع الدماغ.

‏أما عند رؤية وجه ارتبط بتجربة إيجابية مثل تقديم الطعام، فنشطت مناطق مرتبطة بالدافع والمكافأة.

‏وبذلك بدا أن دماغ الغراب يربط الوجه بالعاطفة، ثم تستخدم الطيور هذه المعلومة لتحديد سلوكها تجاه الشخص.

‏لماذا تتذكر الغربان وجوه البشر؟

‏تعد القدرة على تمييز الوجوه وتذكرها من السمات المعروفة لدى العديد من أنواع فصيلة الغرابيات.

‏وتعيش هذه الطيور بالقرب من البشر منذ آلاف السنين، ما يمنحها فائدة واضحة من القدرة على التمييز بين الأشخاص الذين يشكلون خطرا عليها والأشخاص الذين لا يمثلون تهديدا.

‏وبالنسبة إلى الغراب الذي يعيش في المدن، تساعد هذه الذاكرة على توفير الطاقة والجهد، إذ لا يحتاج إلى التعامل مع جميع البشر باعتبارهم خطرا، بل يستطيع توجيه سلوكه نحو شخص محدد.

‏هل تتذكر الغربان الأفعال السيئة؟

‏تشير هذه النتائج إلى أن الغراب قد يحتفظ بذكرى سلبية مرتبطة بشخص معين.

‏فإذا دمر شخص عشا، أو ألقى حجرا على غراب، أو أمسك به باستخدام شبكة، فمن المحتمل أن يتذكر الغراب ذلك الشخص لفترة طويلة.

‏كما تشير التجارب إلى أن الغربان قادرة على التعرف إلى الوجه حتى وسط مجموعة من الأشخاص، ويمكنها الاحتفاظ بهذه المعلومة لسنوات.

‏لكن هذا لا يعني أن الغربان تمتلك قدرة غامضة أو خارقة، بل إن الأمر يتعلق بآلية ذاكرة متطورة تكيفت مع ظروف الحياة، وخصوصا الحياة في البيئات الحضرية.

‏حدود قدرة الغربان على التعرف إلى الوجوه

‏للقدرة على التعرف إلى الوجوه حدود أيضا.

‏فالطيور تتعرف أساسا إلى الوجه، وليس إلى الشخص ككل.

‏وقد تواجه صعوبة أكبر في التعرف إلى الشخص عندما يكون وجهه مغطى بأكثر من وسيلة إخفاء، مثل الجمع بين القناع والنظارات.

‏كما أنها لا تستطيع التعرف إلى الشخص بالطريقة نفسها عندما تراه من الخلف، لأن الوجه الذي تعتمد عليه في التعرف غير ظاهر.

‏تؤكد التجارب والملاحظات الميدانية ودراسات تصوير الدماغ أن الغربان تستطيع بالفعل التعرف إلى وجوه البشر وتذكرها.

‏ويمكن للغراب أن يربط وجها معينا بتجربة سلبية واحدة، ثم يحتفظ بهذه المعلومة لسنوات، كما يمكن أن تنتقل هذه المعلومات إلى غربان أخرى من خلال سلوك التحذير والمراقبة.

‏وتكشف هذه القدرة عن مستوى متقدم من التعلم والذاكرة لدى الغربان، لكنها في الوقت نفسه تظل قدرة بيولوجية يمكن تفسيرها بآليات الذاكرة والتعلم والتكيف مع البيئة.