هل أنت شخص منطقي، تهتم بالتفاصيل أو تجيد التعامل مع الأرقام؟ إذن لا بد أنك، وفقا لفكرة شائعة، "تستخدم النصف الأيسر من دماغك".
أما إذا كنت مبدعا أو فنيا أو تعتمد على حدسك، فمن المفترض أنك "تستخدم النصف الأيمن من دماغك".
دفعت اختبارات الشخصية والنصائح المهنية المتوارثة عبر الأجيال كثيرين إلى الاعتقاد بأن أحد جانبي الدماغ يسيطر على طريقة تفكيرنا ، وأن هذا الجانب هو الذي يحدد شخصيتنا ويفسر أسلوبنا في التفكير.
آلية عمل الدماغ في الإبداع ( مصدر الصورة: Pexels )
لكن هل هذه الفكرة حقيقة أم مجرد خرافة؟ وكيف ظهرت أساسا؟
للإجابة عن ذلك، علينا العودة أكثر من 150 عاما إلى الوراء.
البداية في القرن التاسع عشر
تعود جذور هذه الفكرة العلمية إلى ستينيات القرن التاسع عشر، عندما اكتشف الطبيب الفرنسي بول بروكا أن الكلام يخضع بدرجة كبيرة لسيطرة الجانب الأيسر من الدماغ.
وكان ذلك أول دليل على أن نصفي الدماغ قد يؤديان أدوارا مختلفة.
وبعد نحو قرن، وسع عالم الأعصاب الحائز جائزة نوبل روجر سبيري هذه الفكرة.
درس سبيري وفريقه أشخاصا خضعوا لجراحات في الدماغ للسيطرة على الصرع. وكانت الجراحة تتضمن قطع الألياف العصبية التي تصل بين الجانب الأيسر والجانب الأيمن من الدماغ، ما أتاح للباحثين دراسة كل نصف من الدماغ بشكل منفصل.
وللمرة الأولى، تمكن العلماء من رؤية الوظائف التي يتحكم فيها كل نصف من نصفي الدماغ.
ووجدوا أن الجانب الأيسر كان أكثر تخصصا في التحكم باللغة، بينما كان الجانب الأيمن أكثر ارتباطا بالمعالجة العاطفية وغير اللفظية.
هل يعمل كل نصف من الدماغ بشكل منفصل؟
إن توزيع بعض الوظائف على أحد جانبي الدماغ، أو ما يعرف باسم التخصص الجانبي للوظائف العصبية، ليس سمة خاصة بالإنسان.
فالحشرات والأسماك والطيور والثدييات الأخرى تظهر لديها هذه الظاهرة أيضا، ولا تقتصر على الرئيسيات.
كما أن الجينات التي تتحكم في هذه العملية يبدأ التعبير عنها في وقت مبكر من نمو الإنسان، قبل اكتمال تشكل الدماغ.
ومن منظور تطوري، يعتقد العلماء أن وجود نصفي دماغ متخصصين في مهام مختلفة ربما ساعد الكائنات على تنفيذ مهمتين في الوقت نفسه.
فعلى سبيل المثال، قد يتمكن الحيوان من مراقبة الحيوانات المفترسة في الوقت الذي يبحث فيه عن الطعام.
وبالتالي، قد يكون التخصص الجانبي للوظائف العصبية سمة تطورية في الجهاز العصبي، وليس سببا للإبداع أو المنطق.
لكن الجمهور حول هذه الفكرة لاحقا عبارة "بعض الوظائف يتحكم فيها أحد جانبي الدماغ بشكل أساسي" إلى فكرة مختلفة تماما، وهي أن "كل شخص إما أيسر الدماغ أو أيمن الدماغ".
وأصبحت هذه الفكرة وسيلة شائعة لتفسير سبب اختلاف طريقة تفكير الناس وشعورهم عن بعضهم البعض.
أكثر من ألف صورة بالرنين المغناطيسي
في عام 2013، اختبر باحثون نظرية الدماغ الأيسر مقابل الدماغ الأيمن.
ودرسوا صورا بالرنين المغناطيسي لأكثر من 1000 شخص لرسم خريطة لأكثر من 7000 منطقة في الدماغ.
وكان الهدف معرفة ما إذا كانت مناطق مختلفة من الدماغ تنشط في الوقت نفسه، وهو ما قد يشير إلى مشاركتها في المهمة نفسها.
وافترض الباحثون أنه إذا كانت السمات الشخصية تخضع لسيطرة أحد نصفي الدماغ فقط، فمن المفترض أن تظهر أنماط متكررة من النشاط العصبي بين مناطق الدماغ الموجودة في الجانب نفسه.
ووجد الباحثون أن بعض الوظائف تتركز بالفعل في جانب معين من الدماغ.
وكانت هذه الوظائف مرتبطة بالمناطق والجوانب المسؤولة عن التحكم في اللغة والانتباه، بما يتوافق إلى حد كبير مع النتائج التي توصلت إليها أبحاث سابقة.
لكن الباحثين لم يجدوا دليلا على أن هذه الشبكات تختلف بين الأشخاص وفقا لشخصياتهم أو مهاراتهم.
ولم يجدوا ما يشير إلى أن الشخص الذي يمتلك مهارات لغوية أقوى في الجانب الأيسر من الدماغ تكون لديه، في المقابل، مهارات انتباه أضعف في الجانب الأيمن، أو العكس.
لذلك خلص الباحثون إلى أن نتائجهم لا تتوافق مع فكرة أن الأشخاص يكونون بشكل عام "أيسري الدماغ" أو "أيميني الدماغ".
ماذا عن الإبداع؟
بحثت دراسات أخرى في احتمال وجود علاقة بين نشاط النصف الأيمن من الدماغ والإبداع.
لكن هذه الدراسات وجدت أن التفكير الإبداعي يحتاج إلى شبكة واسعة من النشاط الدماغي تمتد عبر نصفي الدماغ معا، وليس إلى تخصص النصف الأيمن وحده في الإبداع.
ومع ذلك، وكما يحدث مع كثير من الخرافات الشائعة، قد تحتوي هذه الفكرة على جزء صغير من الحقيقة.
فقد وجدت دراسة أجريت عام 2013 أن الأشخاص الذين كانت وظائف معينة لديهم أكثر تخصصا في أحد جانبي الدماغ مقارنة بالجانب الآخر كانوا أفضل في المهارة المرتبطة بتلك الوظيفة.
فعلى سبيل المثال، كلما كانت اللغة لدى شخص ما تخضع بدرجة أكبر لسيطرة الجانب الأيسر من الدماغ، كان أداؤه اللغوي أفضل.
بعبارة أخرى، فإن الاختلافات الفردية في وظائف النصف الأيسر أو الأيمن من الدماغ موجودة بالفعل، ولها تأثير في الأداء.
لكن هذه الاختلافات لا تمتد إلى درجة واسعة تسمح لها بتحديد شخصية الإنسان أو أسلوب تفكيره بشكل عام.
لماذا تنتشر خرافة الدماغ الأيسر والأيمن؟
تكمن الحقيقة الجزئية وراء هذه الخرافة في أن جانبي الدماغ الأيسر والأيمن يؤديان بالفعل وظائف مختلفة.
لكن هذه الحقيقة جرى تبسيطها وتحريفها على مر السنين لتتحول إلى تصنيف شامل للناس.
وهناك سبب آخر أكثر ترجيحا قد يفسر استمرار انتشار هذه الفكرة، وهو ما يعرف باسم تأثير بارنوم.
وتأثير بارنوم هو ظاهرة يميل فيها الناس إلى تصديق سمات الشخصية والأوصاف عندما يقال لهم إنها تنطبق عليهم.
ويمكن أن تصبح هذه العملية ذاتية التعزيز؛ إذ نميل إلى ملاحظة الصفات التي تؤكد الفكرة التي صدقناها وتنميتها، بينما نتجاهل الصفات التي لا تتوافق معها.
النصفان يعملان معا
في الحقيقة، يعمل نصفا الدماغ معا في معظم ما نفعله، بما في ذلك المنطق والإبداع.
لذلك، فإن تصنيف الأشخاص على أنهم "أيسرو الدماغ" أو "أيمينه" لا يعكس الطريقة المعقدة التي يعمل بها الدماغ البشري.
والاختلافات في تخصص بعض وظائف الدماغ بين جانبيه حقيقية، لكنها لا تعني أن شخصية الإنسان أو قدرته على الإبداع أو طريقة تفكيره تحددها سيطرة أحد نصفي الدماغ عليه.