‏الفئران تصدر أصواتا تشبه الضحك ... لكن آذاننا لا تستطيع سماعها

‏هل تضحك الفئران فعلا؟ العلماء يكشفون سر الأصوات التي تصدرها ‏(مصدر الصور: Unsplash ) ‏هل تضحك الفئران فعلا؟ العلماء يكشفون سر الأصوات التي تصدرها ‏(مصدر الصور: Unsplash )

‏تطلق الفئران بالفعل أصواتا يفسرها العلماء على أنها تشبه الضحك، لكن الأذن البشرية لا تستطيع سماعها.

‏وتتعلق هذه الأصوات بإشارات فوق صوتية تبلغ تردداتها نحو 50 كيلوهرتز، أي أعلى بعشرات المرات من الحد الأعلى لنطاق السمع البشري. ولتسجيل هذا النوع من «الضحك»، يحتاج الباحثون إلى ميكروفونات خاصة قادرة على التقاط الموجات فوق الصوتية.

‏وقد يبدو الأمر وكأنه مزحة علمية، لكن وراءه عقود من التجارب والأبحاث الجادة.

أصوات الفئران ‏(مصدر الصور: Unsplash )

‏من أين جاءت فكرة الفئران الضاحكة؟

‏في تسعينيات القرن الماضي، درس عالم الأعصاب الأمريكي ياك بانكسِب من جامعة ولاية واشنطن المشاعر لدى الحيوانات.

‏وسجل مختبره أصواتا فوق صوتية تصدرها الفئران، وهي عبارة عن صفير قصير تطلقه القوارض في مواقف مختلفة.

‏ولاحظ بانكسِب نمطا متكررا: عندما كانت الفئران تلعب مع بعضها أو تستكشف منطقة جديدة، كانت تطلق إشارات بتردد يقارب 50 كيلوهرتز.

‏أما في حالات الخطر أو التوتر، فكانت الفئران نفسها تنتقل إلى إصدار إشارات منخفضة التردد، تبلغ نحو 22 كيلوهرتز.

‏ودفع ذلك العالم إلى التساؤل عما إذا كانت الأصوات عالية التردد مرتبطة بالمشاعر الإيجابية.

‏ماذا يحدث عندما تدغدغ الفئران؟

‏لاختبار هذه الفرضية، بدأ فريق بانكسِب بدغدغة الفئران.

‏وكانت الاستجابة لافتة، إذ لم تطلق الحيوانات عددا كبيرا من الإشارات بتردد 50 كيلوهرتز فحسب، بل كانت تبحث بنشاط عن يد الباحث، وتقفز إليها، ثم تعود للحصول على المزيد من الدغدغة.

‏وفي عام 2003، نشر بانكسِب وزميله جيف بورغدورف دراسة حملت عنوانا لافتا عن «الفئران الضاحكة» والأسس التطورية للفرح لدى الإنسان.

‏كيف يبدو «ضحك» الفئران؟

‏لا تضحك الفئران بالطريقة التي يضحك بها البشر.

‏فـ«ضحكها» عبارة عن سلسلة من الإشارات فوق الصوتية القصيرة التي يسميها الباحثون الزقزقة.

‏وتتراوح ترددات هذه الإشارات بين 50 و70 كيلوهرتز، وهي تختلف بشكل واضح عن الأصوات التي تصدرها الفئران عند الشعور بالألم أو الخوف.

‏ويميز العلماء عدة أنواع من هذه الأصوات.

‏بعض الإشارات تكون ذات تردد ثابت وترتبط بدرجة أكبر بالتواصل الاجتماعي، بينما ترافق إشارات أخرى ذات تغير واضح في التردد أنشطة اللعب والمطاردة والقفز.

‏وتعد المجموعة الأخيرة أقرب إلى ما يشبه الضحك، لأنها تظهر في مواقف يمكن وصفها بأنها ممتعة بالنسبة إلى الحيوان.

‏كيف يمكن سماع أصوات الفئران؟

‏لا يكفي وضع ميكروفون عادي بالقرب من قفص الفئران لسماع هذه الأصوات.

‏إذ يحتاج الباحثون إلى أجهزة خاصة تسجل الموجات فوق الصوتية، ثم تحولها إلى نطاق ترددي يمكن للإنسان سماعه.

‏وتوجد تسجيلات على الإنترنت يمكن فيها، بعد معالجة الإشارة، سماع «صوت» الفأر على شكل زقزقة أو صفير متقطع.

‏ولا يشبه ذلك ضحك الإنسان، لكن السياق الذي تظهر فيه هذه الأصوات هو ما دفع العلماء إلى عقد المقارنة.

‏الدغدغة واللعب والدوبامين

‏جاء أحد أقوى الأدلة على ارتباط إشارات 50 كيلوهرتز بالمشاعر الإيجابية من تجارب التعلم.

‏وضع الباحثون الفئران في قفص يحتوي على رافعة. ولم يكن الضغط على الرافعة يؤدي إلى الحصول على الطعام أو الماء، بل إلى الحصول على الدغدغة من الباحث.

‏وسرعان ما فهمت الحيوانات العلاقة بين الضغط على الرافعة والدغدغة، وبدأت تضغط عليها مرارا للحصول على المزيد منها.

‏وأظهرت تجربة أخرى أن الإشارات فوق الصوتية نفسها تظهر عند تحفيز مراكز الدوبامين في الدماغ.

‏والدوبامين ناقل عصبي يرتبط لدى الإنسان بتوقع المكافأة والشعور بالمتعة.

‏وعندما نشط العلماء مناطق معينة من أدمغة الفئران باستخدام نبضات كهربائية، أطلقت الحيوانات الإشارات نفسها بتردد 50 كيلوهرتز، رغم عدم قيام أحد بدغدغتها.

‏ماذا اكتشف العلماء عن «مركز الضحك»؟

‏أضافت دراسة نشرت عام 2016 في مجلة Science تفصيلا جديدا إلى هذه الصورة.

‏فقد زرع علماء أعصاب ألمان أقطابا كهربائية في القشرة الحسية الجسدية لدى الفئران، وهي منطقة من الدماغ تعالج الأحاسيس اللمسية.

‏وأظهرت النتائج أن الخلايا العصبية في هذه المنطقة تستجيب للدغدغة، وأن التحفيز الاصطناعي للخلايا نفسها يمكن أن يؤدي إلى إطلاق «الضحك» حتى من دون لمس الحيوان.

‏وفي عام 2023، اكتشفت المجموعة نفسها منطقة في الدماغ المتوسط لدى الفئران أطلقت عليها اسم «مركز الضحك».

‏وأدى تنشيط هذه المنطقة إلى إطلاق سلوك اللعب والأصوات فوق الصوتية في الوقت نفسه.

‏هل يمكن حقا تسمية هذه الأصوات ضحكا؟

‏لا يتفق جميع العلماء على أن إشارات 50 كيلوهرتز ينبغي أن تسمى «ضحكا».

‏ويشير المنتقدون إلى اختلاف مهم: فالضحك لدى الإنسان يرتبط غالبا بالفكاهة أو المفاجأة أو السياق الاجتماعي.

‏أما لدى الفئران، فتظهر إشارات 50 كيلوهرتز في مواقف متنوعة، مثل استكشاف بيئة جديدة، أو لقاء فأر مألوف، أو انتظار اللعب.

‏لذلك قد تكون هذه الأصوات تعبيرا عن حالة عامة من الإثارة والمشاعر الإيجابية أكثر من كونها استجابة لشيء مضحك.

‏اختلاف بين الدغدغة واللعب الطبيعي

‏قارنت دراسة أجريت عام 2022 بين الأصوات فوق الصوتية التي تصدرها الفئران أثناء اللعب مع بعضها وتلك التي تصدرها أثناء دغدغتها من قبل الإنسان.

‏ووجد الباحثون أن أنماط الأصوات في الحالتين تختلف بشكل ملحوظ.

‏فالدغدغة تؤدي إلى ظهور ما يشبه «الضحك»، لكنه لا يتطابق تماما مع الأصوات التي تصدرها الفئران أثناء اللعب الطبيعي.

‏وخلص الباحثون بحذر إلى أن الدغدغة تجربة ممتعة للفأر، لكنها لا تحل محل التواصل مع أفراد النوع نفسه.

‏وهناك مشكلة أخرى تتعلق باستخدام كلمة «ضحك» نفسها، لأنها تحمل الكثير من المعاني المرتبطة بالبشر.

‏فعندما نقول إن الفأر يضحك، قد نتخيل تلقائيا شيئا يشبه ضحك الإنسان، بما يحمله من معان تتعلق بالسخرية أو الفرح أو التوتر.

‏لكن الأمر في الواقع أبسط من ذلك: نحن نتحدث عن أصوات تشير إلى الاستعداد للتفاعل الاجتماعي.

‏لماذا تهم هذه الظاهرة العلماء؟

‏دراسة «ضحك» الفئران ليست مجرد معلومة طريفة تصلح للمقالات العلمية المبسطة.

‏فهذه الأبحاث تساعد العلماء على فهم كيفية ظهور المشاعر الإيجابية في أدمغة الثدييات، وكيف ترتبط هذه المشاعر باللعب.

‏واللعب عملية مهمة للغاية لتطور المهارات الاجتماعية.

‏وقد أظهرت الدراسات أن صغار الفئران التي حُرمت من فرصة اللعب أصبحت أقل ميلا إلى التواصل مع الآخرين، وواجهت صعوبة أكبر في التعامل مع المواقف الاجتماعية.

‏وقد يكون فهم الآليات العصبية المسؤولة عن إشارات 50 كيلوهرتز مفيدا أيضا في المجال الطبي.

‏فإذا تمكن العلماء من تحديد مناطق الدماغ المسؤولة بدقة عن المشاعر الإيجابية، فقد يفتح ذلك إمكانات جديدة لدراسة وعلاج الاكتئاب واضطرابات القلق.

‏إذن، هل تضحك الفئران أم لا؟

‏الإجابة المختصرة هي: نعم، ولكن مع بعض التحفظات.

‏تطلق الفئران إشارات فوق صوتية تظهر أثناء اللعب والدغدغة وانتظار المكافأة.

‏وترتبط هذه الإشارات بنشاط نظام الدوبامين ومناطق في الدماغ مسؤولة عن معالجة الأحاسيس الممتعة.

‏ومن نواح كثيرة، تشبه هذه الأصوات بعض السمات الأساسية للضحك لدى الإنسان.

‏لكن وصفها بأنها «ضحك» بالمعنى نفسه الذي نستخدم فيه الكلمة لدى البشر قد يكون مبالغة.

‏فالفئران لا تمتلك حس الفكاهة المعروف لدى الإنسان، ولا تضحك على النكات أو تفهم السخرية.

‏ويمكن اعتبار «ضحكها» إشارة تخبر أفراد النوع نفسه بأنها في حالة جيدة ومستعدة للعب والتفاعل الاجتماعي.

‏وقد يكون هذا السلوك أداة بسيطة لكنها مهمة للتواصل الاجتماعي، تعود جذورها إلى أسلاف مشتركة بين الثدييات.