أورد موقع Defense Arabia أن كوريا الجنوبية أجرت في 8 أكتوبر 2026 أول اختبار طيران معلن لمركبة انزلاق فرط صوتية HGV (Hypersonic Glide Vehicle) المطورة محليا.
وتحمل هذه الخطوة أهمية تتجاوز تطوير صاروخ جديد، لأنها تختبر قدرة سيول على امتلاك سلاح سريع ومناور داخل الغلاف الجوي يصعب التنبؤ بمساره، وهو مماثل لما تمتلكه روسيا والصين.
ونقلت وكالة Yonhap أن المركبة انفصلت بنجاح عن الصاروخ المعزز، ثم واصلت طيرانها بسرعات فرط صوتية، ونفذت تغييرات أفقية وعمودية في المسار قبل إصابة الهدف.
وشمل الاختبار أنظمة التوجيه والسيطرة ومواد الحماية الحرارية، وهي عناصر أساسية لبقاء المركبة في بيئة حرارية وضغطية قاسية أثناء الطيران، ما يجعل التجربة اختبارا لمنظومة متكاملة في ظروف الطيران الفعلية وليس لعنصر منفرد من عناصرها المختلفة.
القدرات العسكرية لمركبة HGV
وركز الموقع على أن القيمة العسكرية للمركبة HGV لا تأتي من السرعة وحدها، فالصواريخ الباليستية التقليدية يمكن أن تصل إلى سرعات أعلى، لكن مسارها يصبح أكثر قابلية للتوقع خلال مراحل معينة من الرحلة.
أما المركبة الانزلاقية فتستخدم سرعتها ورفعها الهوائي للمناورة داخل الغلاف الجوي، ما يجبر شبكة الدفاع على تحديث إشارات التتبع باستمرار، ويعني ذلك أن ميزة هذه المركبات تكمن في الجمع بين السرعة العالية والقدرة على تغيير الاتجاه والارتفاع أثناء الطيران، فهي لا تسير في قوس ثابت يمكن حسابه مسبقا بسهولة، بل تفرض على أنظمة الاستشعار والرادارات مواكبة مستمرة لحركتها.
وتزداد أهمية ذلك مع ما أظهره الاختبار الكوري من تنفيذ تغييرات أفقية وعمودية في المسار قبل الاصطدام بالهدف، وهو ما يعطي الأداء الفعلي للمركبة بعدا عمليا يتجاوز النظرية، ويضيف هذا النوع من الأسلحة عنصر عدم اليقين إلى حسابات الخصم، لأن تقدير موقع المركبة بعد ثوان يصبح أصعب كلما كثرت مناوراتها داخل الغلاف الجوي.
ومن هنا فإنه لا يكفي لقياس قدرة هذه المنظومات النظر إلى سرعتها القصوى فقط، بل يجب تقييم قدرتها على المناورة وتغيير مسارها، والمدى الزمني الذي تتيحه لشبكة الدفاع لاكتشافها وتتبعها والتعامل معها، لهذا ينظر إلى المركبة الانزلاقية بوصفها سلاحا يعتمد على المراوغة والقدرة على كسر الأنماط المتوقعة للمسار، لا على السرعة المجردة وحدها أمام الدفاع الصاروخي.
تحديات اعتراض المركبات الانزلاقية الفرط صوتية
وأبرز الموقع أن المشكلة الحقيقية أمام الدفاع الصاروخي تظهر عند التعامل مع هذه المركبات الانزلاقية الفرط صوتية، إذ يجب على الصاروخ الذي يعترض هدفا مناورا أن يعرف أين سيكون الهدف بعد ثوان، وليس أين كان قبل ثوان، ويفرض كل تغيير في الاتجاه والارتفاع إعادة حساب نقطة الاعتراض.
لكن مع ذلك فإن وصف السلاح بأنه "غير قابل للاعتراض" يعد مبالغة، فالمواجهة تعتمد على مدى قدرة شبكة الدفاع على اكتشافه مبكرا، وتثبيت التتبع، ودمج بيانات الرادارات والمستشعرات، ثم تمريرها إلى منظومة القيادة والسيطرة بسرعة كافية.
وهذا يعني أن نجاح الاعتراض لا يرتبط بصاروخ الاعتراض وحده، بل بسلسلة متكاملة تبدأ باكتشاف الهدف في أقرب وقت ممكن، وتمر بتثبيت مسار التتبع رغم التغييرات المتلاحقة في الاتجاه، وتنتهي بنقل البيانات الدقيقة إلى منظومة القيادة والسيطرة في زمن يسمح بإطلاق الاعتراض.
وكلما تأخرت أي حلقة من هذه السلسلة، تقلصت الفرصة المتاحة لتدمير الهدف قبل وصوله إلى نقطة إصابته، ولذلك تمثل المركبات الانزلاقية اختبارا حقيقيا لجاهزية شبكات الدفاع الجوي والصاروخي، وقدرتها على العمل كمنظومة مترابطة، لا كعناصر منفصلة، ويظل العامل الزمني حاسما في هذه المعادلة، إذ تقاس الفاعلية بالثواني بين الاكتشاف المبكر والاعتراض.
الأبعاد الأمنية للاختبار الكوري الجنوبي
وختم الموقع بالإشارة إلى أن الخطوة الكورية تأتي في بيئة أمنية شديدة الحساسية، ففي 3 أكتوبر أعلنت كوريا الشمالية اختبار صاروخ فرط صوتي متوسط المدى، ونقلت Reuters أن سيول وواشنطن صرحتا بأن الاختبار بقي ضمن القدرات التي تستطيع منظوماتهما اكتشافها والتعامل معها.
لذلك يحمل الاختبار الجنوبي رسالة مزدوجة: تطوير قدرة هجومية جديدة، وفي الوقت نفسه اختبار قدرة صناعية وتقنية على إنتاج منظومة كاملة تشمل الدفع، والمواد الحرارية، والملاحة، والتوجيه، والسيطرة.
لكن الأهم من ذلك أن سيول لا تبني هذه القدرة بمعزل عن منظومتها الصاروخية، فقد رافق الاختبار اهتمام متزايد بصواريخ Hyunmoo-5 وقدرات الضرب الدقيقة بعيدة المدى، ويعكس هذا المشهد سباقا في مجال الأسلحة الفرط صوتية في شبه الجزيرة الكورية، إذ تسعى كل جهة إلى اختبار قدراتها واختبار قدرة الطرف الآخر على الاكتشاف والاعتراض.
بذلك لا يقتصر الاختبار على الجانب التقني، بل يمتد إلى حسابات الردع والتوازن، وإلى مدى جاهزية شبكات الدفاع في كوريا الجنوبية والولايات المتحدة لمواجهة تهديدات تتميز بالسرعة والمناورة.