‏حجر بولي عمره 5 آلاف عام يكشف سر مرض غامض أصاب رجلا في العصور القديمة

اكتشاف أثري قديم يكشف معاناة رجل مع عدوى مزمنة ‏( مصدر الصور: صندوق العلوم الروسي ) اكتشاف أثري قديم يكشف معاناة رجل مع عدوى مزمنة ‏( مصدر الصور: صندوق العلوم الروسي )

‏كشف حجر بولي  عُثر عليه في مقبرة أثرية في منطقة ستافروبول شمال القوقاز، عن إصابة رجل عاش قبل أكثر من 5 آلاف عام بعدوى مزمنة في الجهاز البولي التناسلي، ربما تسببت له في آلام واضطرابات في التبول.

‏وتمكن علماء من جامعة موسكو الحكومية لومونوسوف من تحديد طبيعة الحجر بعد إخضاعه لسبع تقنيات تحليلية مستقلة، في دراسة تسلط الضوء على الأمراض التي عانى منها الإنسان في العصور القديمة.

‏وأعلن صندوق العلوم الروسي نتائج البحث، الذي نُشر في مجلة Archaeological and Anthropological Sciences.

‏حجر صغير يكشف مرضا قديما

حجرا بوليا عُثر عليه في مقبرة أثرية بشمال القوقاز ‏( مصدر الصور: صندوق العلوم الروسي )

‏عثر الباحثون على الحجر أثناء فحص مجموعة أثرية تضم بقايا عظمية لرجل يتراوح عمره عند الوفاة بين 40 و49 عاما. ويعود الدفن إلى ثقافة «مايكوب السهبية»، التي يرجع تاريخها إلى الثلث الأخير من الألفية الرابعة قبل الميلاد.

‏ويبلغ حجم الحجر 21 × 17 مليمترا، وقد اكتُشف داخل كيس يحتوي على عظام اليدين، أثناء مراجعة مجموعة من المكتشفات الأثرية.

‏ولم يكن تحديد طبيعة هذا الجسم الصغير أمرا سهلا، إذ كان على الباحثين التمييز بين حصاة بولية ناجمة عن اضطراب في التمثيل الغذائي، وأخرى تكونت نتيجة عدوى مزمنة.

‏وللوصول إلى تشخيص موثوق، استخدم الفريق سبع تقنيات تحليلية مستقلة، شملت التحليل بالأشعة السينية الفلورية الدقيقة، وحيود الأشعة السينية، والتحليل الطيفي بالأشعة تحت الحمراء، وتحليل العناصر CHNS، والمجهر الإلكتروني الماسح، والتصوير المقطعي الدقيق، والتصوير المقطعي المحوسب الحساس للطاقة.

‏وأشار الباحثون إلى أن استخدام هذا العدد من التقنيات لدراسة حصاة أثرية من هذا النوع يُطبق للمرة الأولى.

‏التركيب الكيميائي كشف سبب تكون الحجر

‏أظهرت التحليلات أن المكون الأساسي للحجر هو هيدروكسي أباتيت يحتوي على الكربونات، مع وجود كمية من معدن الفيتلوكيت، الذي يرتبط في بعض الحالات بالنشاط البكتيري.

‏كما لم يجد الباحثون أوكسالات الكالسيوم أو أملاح حمض اليوريك، وهي مركبات قد ترتبط بأنواع من الحصوات البولية الناتجة عن اضطرابات التمثيل الغذائي.

‏وكانت كمية النيتروجين في الحجر ضئيلة للغاية، وهو ما استبعد وجود مكون بروتيني واضح، كما لم تدعم النتائج تشخيص حصوات الستروفيت، التي ترتبط عادة ببعض أنواع العدوى البولية.

‏وقد قادت هذه المجموعة من المؤشرات الكيميائية والمعدنية الباحثين إلى ترجيح أن الحجر نشأ بسبب عدوى، وليس نتيجة اضطراب في التمثيل الغذائي.

‏كيف تشكلت الحصاة داخل جسم الرجل؟

‏أتاحت تقنية التصوير المقطعي الدقيق للباحثين دراسة البنية الداخلية للحجر، وكشفت أن عملية التبلور بدأت من عدة مراكز منفصلة.

‏ومع مرور الوقت، اندمجت هذه المراكز لتشكل نواة واحدة، ثم تراكمت حولها طبقات متحدة المركز، ما أدى إلى نمو الحصاة تدريجيا.

‏وأظهرت الصور أيضا أن الحديد كان أكثر تركيزا في نواة الحجر، بينما انخفضت كميته في الطبقات الخارجية.

‏وتساعد هذه التفاصيل في فهم كيفية نمو الحصوات داخل الجسم، كما توفر معلومات عن الظروف الكيميائية التي أحاطت بتكونها.

‏ومع ذلك، لم يتمكن الباحثون من تحديد العضو الذي نشأت فيه الحصاة بصورة قاطعة؛ إذ لا تزال احتمالات نشأتها في الكلية أو غدة البروستاتا قائمة.

‏ويرجح مؤلفو الدراسة أن تكون حصاة كلوية تكونت في سياق الإصابة بالتهاب مزمن في حوض الكلية، المعروف باسم التهاب الحويضة والكلية.

‏أمراض وإصابات أخرى ظهرت على الهيكل العظمي

‏لم تكن الحصاة الدليل الوحيد على الحالة الصحية الصعبة التي عاشها الرجل.

‏فقد كشف فحص هيكله العظمي عن تغيرات تنكسية في العمود الفقري والمفاصل، وتآكلات عظمية، وعلامات مرتبطة بالنقرس، إضافة إلى آثار عدة إصابات قديمة التأمت قبل وفاته.

‏وتشير هذه العلامات مجتمعة إلى أنه عانى مشكلات صحية متعددة خلال حياته.

‏لكن الباحثين لم يربطوا جميع هذه الحالات بالعدوى البولية، بل تعاملوا معها بوصفها أدلة مستقلة تساعد على تكوين صورة أوسع عن وضعه الصحي.

‏لماذا احتاج العلماء إلى سبع تقنيات لتشخيص المرض؟

‏يؤكد الباحثون أن أيا من التقنيات المستخدمة لم يكن كافيا بمفرده للوصول إلى تشخيص موثوق.

‏فقد قدم كل اختبار جزءا من الأدلة، بدءا من تحديد التركيب الكيميائي والمعدني، وصولا إلى الكشف عن البنية الداخلية للحجر وطريقة نموه.

‏وعندما جُمعت النتائج، ظهرت مؤشرات متوافقة تدعم الاستنتاج بأن الحصاة ارتبطت بعدوى مزمنة.

‏وتكتسب هذه الطريقة أهمية خاصة في علم الآثار، لأن كثيرا من المكتشفات الموجودة في المجموعات والمتاحف لا يمكن تحديد طبيعتها أو دلالتها الطبية بسهولة.

‏ويرى الباحثون أن البروتوكول التحليلي الذي طوروه يمكن استخدامه لدراسة حصوات ومكتشفات مشابهة، ما قد يساعد على التعرف إلى أمراض أخرى أصابت البشر في العصور القديمة.

‏وشارك في الدراسة باحث مستقل من مدينة ستافروبول، إلى جانب متخصصين من المعهد الأثري الألماني، وحظي البحث بدعم منحة من صندوق العلوم الروسي.

‏ماذا تخبرنا هذه الحصاة عن صحة الإنسان القديم؟

‏توضح الدراسة كيف يمكن لمكتشف أثري صغير أن يقدم أدلة مهمة عن الأمراض التي عانى منها الإنسان قبل آلاف السنين.

‏فمن خلال الجمع بين التحليل الكيميائي والمعدني والتصوير المتقدم، تمكن العلماء من ترجيح إصابة رجل عاش في شمال القوقاز بعدوى مزمنة في الجهاز البولي، رغم عدم وجود سجلات طبية من عصره.

‏ومع ذلك، يظل التشخيص ترجيحا علميا قائما على توافق عدة مؤشرات، وليس إثباتا مباشرا لوجود البكتيريا المسببة للعدوى أو تحديد موقع الحصاة بصورة نهائية.

‏وتبرز أهمية البحث في أنه يقدم طريقة أكثر دقة لفحص المكتشفات الأثرية، وقد يساعد مستقبلا على فهم أفضل للأمراض القديمة وتاريخها.