نجح علماء أمريكيون في تطوير نموذج مصغر للرئة البشرية باستخدام أجزاء من أنسجة الرئة ، قادر على الاحتفاظ بخلايا مناعية مهمة ووظائفها لعدة أشهر. وأظهرت التجارب أن هذا النموذج، المعروف باسم العضويدات الرئوية، يستطيع التعرف على فيروس كورونا المستجد وتحفيز استجابة مناعية متخصصة تقودها الخلايا التائية.
وقد يتيح هذا الإنجاز دراسة المناعة المحلية داخل الرئتين بصورة مستقلة عن بقية الجهاز المناعي، كما يمكن أن يساعد مستقبلا على تطوير لقاحات موضعية ضد مسببات الأمراض التنفسية.
نموذج مصغر للرئة يحتفظ بخلاياه المناعية لأشهر
نموذج مصغر للرئة البشرية ( مصدر الصور: Freepik )
تمكن الباحثون من إنشاء نموذج للأنسجة الرئوية البشرية باستخدام أجزاء من نسيج الرئة، مع الحفاظ على الخلايا المناعية الموجودة فيها ووظائفها لفترات طويلة.
ونشرت الدراسة في مجلة Nature العلمية، وتتيح هذه التقنية للعلماء دراسة كيفية عمل الجهاز المناعي داخل أنسجة الرئة نفسها، بعيدا عن التأثيرات التي قد تنتج عن تفاعلات الجهاز المناعي في بقية الجسم.
ولإنشاء النموذج، نقل فريق البحث الأمريكي أنسجة سليمة من الأجزاء الطرفية للرئة، مأخوذة من أكثر من 220 متطوعا، إلى نظام زراعة ثلاثي الأبعاد يعتمد على واجهة بين الهواء والسائل.
وتساعد هذه البيئة على محاكاة بعض الظروف التي تتعرض لها أنسجة الرئة في الجسم، بما في ذلك التفاعل مع الهواء، مع الحفاظ على مجموعات مهمة من الخلايا المناعية نشطة لعدة أشهر.
نقل الباحثون أنسجة رئوية بشرية سليمة من أكثر من 220 متطوعا إلى نظام زراعة ثلاثي الأبعاد عند واجهة الهواء والسائل، بهدف الحفاظ على خصائص الأنسجة ووظائفها المناعية.
الخلايا التائية تتعرف على فيروس كورونا
أظهرت التجارب أن الخلايا التائية الموجودة داخل العضويدات الرئوية ليست مجرد خلايا عابرة، بل تمثل جزءا مستقرا من النسيج الرئوي، ويمكنها التعرف على الفيروسات.
واختبر الباحثون النموذج من خلال تعريض العضويدات لفيروس SARS-CoV-2، المسبب لمرض كوفيد-19.
ولم تقتصر الاستجابة على حدوث التهاب عام داخل الأنسجة، بل رصد العلماء أيضا استجابة مناعية تكيفية، إذ تفاعلت الخلايا التائية بصورة متخصصة مع الفيروس.
وتختلف المناعة التكيفية عن الاستجابة المناعية الفطرية؛ فهي تعتمد على خلايا مناعية قادرة على التعرف على أهداف محددة، وقد تسهم في تكوين ذاكرة مناعية تساعد الجسم على الاستجابة بصورة أكثر فاعلية عند التعرض للمسبب المرضي مجددا.
وتشير النتائج إلى أن الخلايا المناعية الموجودة داخل أنسجة الرئة قد تؤدي دورا مهما في التصدي للعدوى التنفسية، دون الاعتماد الكامل على الاستجابات المناعية القادمة من بقية الجسم.
تحفيز المناعة مسبقا عزز اكتشاف الفيروس ومقاومته
في خطوة أخرى، عرّض الباحثون العضويدات مسبقا لشظايا من الفيروس، في تجربة تحاكي من حيث المبدأ تحفيز الجهاز المناعي الذي يحدث عند التطعيم.
وبعد هذا التحفيز، أصبحت الخلايا المناعية أكثر قدرة على اكتشاف الفيروس والتعامل معه، وأظهرت التجارب تحسنا في قدرتها على تحييد العامل الممرض، ما قلل قابلية النموذج للإصابة اللاحقة.
وتشير هذه النتيجة إلى أن تحفيز المناعة داخل أنسجة الجهاز التنفسي نفسها قد يساعد على تعزيز خط الدفاع الأول في مواجهة الفيروسات.
لكن هذه النتائج تحققت في نموذج مخبري، ولا تعني أن الباحثين طوروا بالفعل لقاحا موضعيا جاهزا للاستخدام لدى البشر، إذ لا تزال هذه الإمكانية بحاجة إلى مزيد من الأبحاث والتجارب.
المناعة المحلية في الرئة ... مجال بحثي مهم
قال كالفن كوو، أستاذ أمراض الدم في كلية الطب بجامعة ستانفورد، إن الدور الدقيق للمناعة المحلية داخل رئتي الإنسان ظل موضع نقاش علمي طويل، معربا عن أمله في أن تساعد العضويدات الجديدة على تقديم إجابات أكثر وضوحا.
وأشار إلى أن النتائج الأولية تكشف مؤشرات على أن الخلايا التائية المقيمة في الأنسجة قد تتمتع بقدرة أكبر على الاستمرار والبقاء مما كان يعتقد سابقا.
وتكتسب هذه الملاحظة أهمية لأن الخلايا المناعية المقيمة داخل الأنسجة قد توفر استجابة محلية سريعة عند دخول مسببات الأمراض، بدلا من الاعتماد فقط على الخلايا المناعية التي تنتقل عبر الدم إلى موقع العدوى.
أظهرت التجارب أن إصابة العضويدات بفيروس SARS-CoV-2 تؤدي إلى استجابة التهابية، إلى جانب استجابة مناعية تكيفية تشارك فيها الخلايا التائية.
هل تمهد العضويدات لتطوير لقاحات تنفسية جديدة؟
تشير نتائج الدراسة إلى أن الجهاز المناعي الموجود في الأغشية المخاطية للرئة قادر على توفير مستوى مهم من الحماية ضد مسببات الأمراض التنفسية.
ولهذا السبب، يرى الباحثون أن استراتيجيات التطعيم الموضعي، التي تستهدف تعزيز المناعة عند بوابة دخول العدوى، تستحق مزيدا من الدراسة.
وقد تشكل هذه الاستراتيجيات مستقبلا مكملا للقاحات التقليدية التي تحفز الاستجابة المناعية الجهازية، أي الاستجابة التي تشمل الجسم عموما. لكن الدراسة الحالية لا تثبت أن اللقاحات الموضعية يمكن أن تحل محل اللقاحات التقليدية، بل تقدم أساسا مخبريا لاستكشاف هذا الاحتمال.
وتكمن الفكرة في تعزيز دفاعات الجهاز التنفسي في موضع تعرضه المباشر للفيروسات، ما قد يساعد على الحد من فرص استقرار العدوى وتطورها.
استخدامات محتملة في أبحاث الربو وأمراض الرئة
لا تقتصر أهمية النموذج الجديد على دراسة فيروس كورونا أو اختبار استراتيجيات اللقاحات، بل يمكن أن يساعد أيضا على فهم دور التفاعلات المناعية داخل أنسجة الرئة في عدد من الأمراض الأخرى.
ومن بين المجالات التي قد تستفيد من هذه التقنية:
مرض الانسداد الرئوي المزمن: لفهم دور الاستجابات المناعية المحلية في تطور المرض.
الربو: لدراسة التفاعلات بين أنسجة الرئة والخلايا المناعية.
العدوى البكتيرية: لفحص كيفية استجابة الأنسجة الرئوية لمسببات الأمراض المختلفة.
ويرى الباحثون أن هذه المنصة قد تقلل الحاجة إلى استخدام الحيوانات في بعض أنواع التجارب، كما يمكن أن توفر معلومات لا تستطيع الاختبارات الحيوانية تقديمها بالضرورة، لأن النموذج يعتمد على أنسجة بشرية وخلايا مناعية بشرية.
ومع ذلك، تظل هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات للتحقق من مدى قدرة هذه العضويدات على محاكاة جميع جوانب الرئة البشرية، وتحديد أنواع التجارب التي يمكن أن تحل فيها محل النماذج الحيوانية بصورة موثوقة.
وبوجه عام، تفتح الدراسة مجالا جديدا لدراسة المناعة داخل الرئة البشرية، وقد تساعد في تطوير وسائل أفضل لفهم العدوى التنفسية واختبار العلاجات واللقاحات المستقبلية.