اختفاء الأعراض لا يعني الشفاء الكامل ... اكتشاف سبب محتمل لتكرار نوبات التهاب الأمعاء

‏لماذا تتكرر نوبات التهاب الأمعاء رغم تحسن الأعراض؟ ‏( مصدر الصورة: ALIOUI Mohammed Elamine ) ‏لماذا تتكرر نوبات التهاب الأمعاء رغم تحسن الأعراض؟ ‏( مصدر الصورة: ALIOUI Mohammed Elamine )

‏لا يعني الشعور بالتحسن لدى المصابين بأمراض الأمعاء الالتهابية دائما أن المرض قد دخل مرحلة تعاف مستقرة. فحتى عندما تنجح العلاجات في تخفيف الأعراض، مثل آلام البطن والإسهال، قد تعود نوبات الالتهاب من جديد.

‏وتشير دراسة جديدة إلى أن أحد التفسيرات المحتملة لهذه المشكلة قد يكمن في خلايا بطانة الأمعاء، التي يمكن أن تظل هشة ومعرضة للضرر حتى عندما تبدو الحالة تحت السيطرة.

‏ويعد مرض كرون والتهاب القولون التقرحي الشكلين الرئيسيين لأمراض الأمعاء الالتهابية، وهي مجموعة من الأمراض المزمنة التي تتسبب في حدوث التهاب في الجهاز الهضمي.

‏ويمكن للعلاج أن يساعد المرضى على الوصول إلى مرحلة تسمى هدأة المرض، وهي فترة ينخفض خلالها نشاط المرض وتتحسن الأعراض. لكن هذه المرحلة لا تمنع بالضرورة حدوث نوبات جديدة في وقت لاحق.

‏خلايا الأمعاء قد تظل معرضة للضرر رغم هدوء الالتهاب

التهاب الأمعاء ‏( مصدر الصورة: ALIOUI Mohammed Elamine )

‏وجد الباحثون علامات تشير إلى حدوث موت غير طبيعي للخلايا في أنسجة الأمعاء، حتى لدى بعض المرضى الذين كان مرضهم تحت السيطرة.

‏وقالت اختصاصية أمراض الجهاز الهضمي بريت كريستنسن، رئيسة وحدة أمراض الأمعاء الالتهابية في مستشفى رويال ملبورن، لموقع ScienceAlert: «قد تظل الأمعاء تحمل قابلية للتضرر لا يمكن اكتشافها من خلال الأعراض وحدها».

‏ونشرت الدراسة في مجلة Science، واعتمدت على فحص أكثر من 900 خزعة معوية، وهي عينات صغيرة من الأنسجة، جُمعت من 80 شخصا من المصابين بأمراض الأمعاء الالتهابية وغير المصابين بها.

‏وكان المرض لدى معظم المشاركين المصابين خاملا أو نشطا بدرجة طفيفة.

‏وقاد الدراسة باحثون من معهد والتر وإليزا هول للأبحاث الطبية في أستراليا، وركزوا على بطانة الأمعاء، وهي طبقة واقية تتجدد باستمرار للمحافظة على سلامة الأنسجة المعوية.

‏كيف تحافظ الأمعاء على سلامة بطانتها؟

‏تتجدد بطانة الأمعاء بصورة مستمرة من خلال عملية منظمة تتخلص فيها الأنسجة من الخلايا غير المرغوب فيها أو المتضررة، ثم تستبدل بها خلايا جديدة تنتجها الخلايا الجذعية.

‏لكن الباحثين وجدوا أن الالتهاب قد يغير سلوك خلايا الأمعاء، ويجعلها أكثر عرضة لإشارات تؤدي إلى موتها بطريقة غير طبيعية.

‏واللافت أن بعض هذه الإشارات ظهرت حتى في أنسجة لم تكن تبدو ملتهبة بوضوح، ما يشير إلى أن بعض الاضطرابات الخلوية قد تستمر تحت سطح يبدو سليما.

‏وأوضحت كريستنسن أن هذه النتائج تشير إلى أن دخول المرض في مرحلة الهدأة السريرية لا يعني بالضرورة أن العمليات البيولوجية الكامنة وراءه قد عادت إلى طبيعتها.

‏وهذا يعني أن تحسن الأعراض لا يعكس دائما مدى تعافي الأنسجة على المستوى الخلوي، وهو ما قد يساعد على تفسير عودة الالتهاب لدى بعض المرضى بعد فترة من الاستقرار.

‏نوعان من موت الخلايا يكشفان عن آلية محتملة

‏للتعمق في فهم هذه الظاهرة، أنشأ الباحثون أنسجة معوية مصغرة انطلاقا من عينات بشرية. وتعرف هذه النماذج المخبرية باسم العضيات، وهي تراكيب تنمو في المختبر وتحاكي بعض خصائص الأنسجة الحقيقية، وتتيح دراسة استجابة الخلايا للالتهاب.

‏وكشفت التجارب عن اختلاف مهم بين طريقتين لموت الخلايا.

‏الموت الخلوي النخري المنظم

‏أظهرت أنسجة المرضى إشارات مرتبطة بعملية تسمى الموت الخلوي النخري المنظم (Necroptosis).

‏وخلال هذه العملية، قد تتمزق الخلايا وتطلق محتوياتها في الأنسجة المحيطة، ما يمكن أن يسهم في تحفيز الالتهاب أو زيادته.

‏الموت الخلوي المبرمج

‏عندما عرّض الباحثون العضيات المعوية لإشارات التهابية، ماتت الخلايا بصورة رئيسية من خلال عملية مختلفة تسمى الموت الخلوي المبرمج (Apoptosis).

‏وتتميز هذه العملية عادة بتفكيك الخلية بطريقة أكثر تنظيما، بدلا من تمزقها وإطلاق محتوياتها في الأنسجة المحيطة.

‏ويشير هذا الاختلاف إلى أن آليات موت الخلايا التي تظهر في أنسجة المرضى قد لا تكون مطابقة تماما للآليات التي تحدث عندما تتعرض نماذج الأنسجة المعوية للالتهاب في المختبر.

‏لماذا قد لا تكفي بعض العلاجات المستهدفة؟

‏اختبر الباحثون ما إذا كان تعطيل عملية الموت الخلوي النخري المنظم سيمنع موت الخلايا في الظروف التي درسوها.

‏لكن تثبيط هذه العملية لم يمنع موت الخلايا في التجارب.

‏وهذا يعني أن استهداف إحدى الإشارات المرتبطة بالمرض قد لا يكون كافيا وحده لحماية الخلايا، خصوصا إذا كانت هناك آليات أخرى قادرة على التسبب في موتها.

‏وفي تجارب مخبرية إضافية، أدى حذف جينات محددة إلى حماية أنواع معينة من الخلايا.

‏ومع ذلك، لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث لتحديد ما إذا كان من الممكن استهداف هذه الآليات لدى المرضى بطريقة آمنة وفعالة.

‏هل يمكن التنبؤ بعودة نوبات التهاب الأمعاء؟

‏درس الفريق أيضا ما إذا كانت التغيرات التي رصدها في الأنسجة ترتبط بحدوث نوبات جديدة من المرض في المستقبل.

‏ومن بين 52 مريضا مصابا بأمراض الأمعاء الالتهابية، توفرت بيانات متابعة لمدة تتراوح بين عامين وثلاثة أعوام لـ30 مريضا.

‏وخلال فترة المتابعة، تعرض 16 مريضا لنوبات جديدة استدعت تكثيف العلاج أو تغييره، بينما بقيت حالة 14 مريضا مستقرة. ولم تتوفر بيانات متابعة لـ22 مريضا آخرين.

‏وأظهرت النتائج أن المرضى الذين تعرضوا لاحقا لانتكاسة كانت لديهم مستويات مرتفعة من أحد المؤشرات المرتبطة بإشارات موت الخلايا، مقارنة بالأشخاص غير المصابين بأمراض الأمعاء الالتهابية.

‏لكن هذه المقارنة لا تثبت أن هذا المؤشر يستطيع التنبؤ بدقة بمن ستعود إليهم الأعراض ومن سيظلون في حالة مستقرة.

‏كما وجد الباحثون أن المرضى الذين تعرضوا لانتكاسة كانت لديهم مستويات أعلى من الالتهاب المجهري في بداية الدراسة.

‏وقد تساعد دراسات أكبر مستقبلا على تحديد ما إذا كانت هذه المؤشرات الخلوية توفر معلومات إضافية تتجاوز ما تكشفه القياسات الحالية للالتهاب.

‏وحذرت كريستنسن من المبالغة في تفسير هذه النتائج، قائلة إن نتائج المتابعة واعدة، لكنها لا تزال أولية.

‏حماية بطانة الأمعاء قد تكمل العلاجات الحالية

‏قد تساعد النتائج الجديدة على تفسير سبب تكرار نوبات أمراض الأمعاء الالتهابية، لكنها لا توفر حتى الآن اختبارا سريريا يستطيع الأطباء استخدامه للتنبؤ بموعد حدوث النوبة التالية.

‏وقالت كريستنسن إن حماية بطانة الأمعاء والحفاظ على قدرتها على التجدد قد يشكلان نهجا مكملا للعلاجات التي تستهدف السيطرة على الالتهاب.

‏ومع ذلك، تؤدي مسارات موت الخلايا وظائف أساسية في الجسم، من بينها التخلص من الخلايا المتضررة أو التي قد تتحول إلى خلايا سرطانية.

‏ولذلك، فإن تعطيل هذه المسارات دون فهم آثار ذلك بصورة كاملة قد ينطوي على مخاطر.

‏وأكدت كريستنسن أن الباحثين لم يثبتوا أن تثبيط هذه الآليات يمنع نوبات المرض بأمان لدى المرضى.

‏«الشفاء الجزيئي» ... هدف جديد لفهم المرض

‏يتمثل الهدف البعيد المدى للبحث فيما وصفته كريستنسن بـ«الشفاء الجزيئي»، أي معالجة الاضطرابات الخلوية التي قد تستمر رغم التحسن الظاهري للحالة.

‏ويختلف هذا المفهوم عن الاكتفاء بمراقبة الأعراض أو قياس نشاط الالتهاب، إذ يركز على فهم ما إذا كانت أنسجة الأمعاء قد استعادت وظائفها الطبيعية وقدرتها على التجدد.

‏لكن لا يزال من غير المعروف ما إذا كان استهداف هذه الاضطرابات سيؤدي فعلا إلى إطالة الفترات التي يبقى فيها المرضى من دون نوبات جديدة.

‏وستكون هناك حاجة إلى دراسات إضافية لتأكيد النتائج، وفهم آليات موت الخلايا بدقة أكبر، وتحديد ما إذا كان التدخل فيها يمكن أن يقدم فائدة علاجية آمنة.

‏الخلاصة: تشير الدراسة إلى أن بعض خلايا بطانة الأمعاء قد تحتفظ باضطرابات مرتبطة بموت الخلايا حتى بعد السيطرة على الأعراض. وقد يفتح فهم هذه التغيرات الباب أمام استراتيجيات علاجية جديدة، لكن إثبات قدرتها على منع الانتكاسات لدى المرضى لا يزال يتطلب مزيدا من البحث.