طور عالما الرياضيات خوسيه مانويل ري وخورخي هيريرا دي لا كروز من جامعة إشبيلية نموذجا رياضيا للعلاقات العاطفية، بهدف تفسير العوامل التي قد تؤدي إلى انفصال الشريكين .
وبحسب تقرير نشره موقع The Conversation، أظهر تحليل تطور المشاعر أن اختلال توزيع الجهد العاطفي بين الشريكين، إلى جانب عدم القدرة على التعامل مع الضغوط الخارجية، قد يسهم في زيادة احتمالات انهيار العلاقة.
واستخدم الباحثان نظرية الأنظمة الديناميكية لدراسة الزواج، وشبها العلاقة الزوجية بنظام يحتاج إلى إمداد مستمر بالطاقة حتى يحافظ على استقراره. ووفقا لهذا التصور، فإن العلاقة قد تتدهور تدريجيا إذا لم يبذل الشريكان جهدا متواصلا للحفاظ عليها وتحسينها.
العلاقات الزوجية (مصدر الصورة: Freepik )
لماذا يتحمل أحد الشريكين عبئا عاطفيا أكبر؟
توصلت النمذجة الرياضية إلى أن الحفاظ على السعادة الزوجية يتطلب من الشريكين بذل جهود تتجاوز مستوى الراحة المعتاد لديهما.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن عليهما تقديم المقدار نفسه من الجهد. فقد يتحمل أحدهما عبئا أكبر بسبب اختلاف قدرته على تحويل الجهد الذي يبذله إلى مشاعر إيجابية وتفاهم وانسجام داخل العلاقة.
ويشير الباحثان إلى مفهوم يمكن وصفه بـ«الكفاءة العاطفية»، أي قدرة الشخص على تحويل الجهد المبذول في العلاقة إلى مشاعر الحب والانسجام بصورة أكثر فاعلية.
وقد يؤدي التفاوت في هذه الكفاءة إلى اختلال توزيع الجهود بين الشريكين، بحيث يجد أحدهما نفسه مضطرا إلى بذل المزيد للحفاظ على استقرار العلاقة.
ويمكن أن تصبح هذه المشكلة أكثر تعقيدا عندما ينتمي الشريكان إلى خلفيتين اجتماعيتين أو ثقافيتين مختلفتين، إذ قد تختلف توقعاتهما وطريقتهما في التعبير عن المشاعر والتعامل مع المسؤوليات.
كيف تؤثر الأزمات الخارجية في استقرار الزواج؟
لا تقتصر التحديات التي تواجه العلاقات الزوجية على الخلافات اليومية، بل قد تتفاقم بفعل الأزمات الخارجية والمآسي التي تفرض ضغوطا إضافية على الطرفين.
ووفقا للنموذج، تدفع هذه الظروف الشريكين إلى زيادة الجهد الذي يبذلانه للحفاظ على العلاقة. لكن الشخص الأكثر كفاءة في تحويل جهده إلى استقرار عاطفي قد يجد نفسه مضطرا إلى تحمل نصيب أكبر من الضغط وتعويض الصعوبات التي يواجهها الطرف الآخر.
ومع استمرار هذا الاختلال، قد يتعرض الطرف الذي يتحمل العبء الأكبر للإرهاق العاطفي، خصوصا إذا لم يحصل على الدعم الكافي أو لم يشارك الشريك في تحمل المسؤولية.
وفي هذا السياق، ينقل التقرير عن عالم النفس جون غوتمان قوله: «إذا لم تفعل شيئا لتحسين الزواج، ولم ترتكب أخطاء أيضا، فستتدهور العلاقة بمرور الوقت».
وتلخص هذه الفكرة أهمية الجهد الإيجابي المستمر في العلاقات الزوجية؛ فمجرد تجنب الخلافات أو الامتناع عن ارتكاب الأخطاء لا يضمن الحفاظ على التقارب بين الشريكين.
كيف ألهم فيلم «تشريح السقوط» هذا البحث؟
جاءت فكرة الدراسة إلى الباحثين بعد مشاهدة فيلم «تشريح السقوط» للمخرجة الفرنسية جوستين ترييه، الذي فاز بجائزة الأوسكار لأفضل سيناريو أصلي.
ويعرض الفيلم التدهور التدريجي للعلاقة بين بطليه تحت ضغط حادث مأساوي، مسلطا الضوء على التوترات والصراعات التي تتراكم داخل العلاقة حتى تصل إلى نقطة الانهيار.
ودفع هذا التصوير الباحثين إلى التفكير في إمكانية استخدام الرياضيات لفهم كيفية تطور العلاقات العاطفية، والعوامل التي تجعل بعض الزيجات أكثر قدرة على مواجهة الأزمات من غيرها.
ويشير التقرير إلى أن بعض الدول الغربية تسجل معدلات مرتفعة لانتهاء الزيجات بالطلاق، إذ لا تستمر نسبة تصل إلى 50% من الزيجات في بعض هذه الدول حتى مرور 25 عاما.
لكن هذه النسبة تختلف باختلاف البلد والفترة الزمنية وطريقة احتساب معدلات الطلاق، ولا ينبغي اعتبارها رقما موحدا ينطبق على جميع المجتمعات.
هل يكفي الحب للحفاظ على الزواج؟
تشير نتائج النموذج الرياضي إلى أن المشاعر الإيجابية وحدها قد لا تكون كافية لضمان استقرار العلاقة على المدى الطويل، إذا لم يصاحبها تعاون مستمر وتوزيع مقبول للمسؤوليات والجهود.
فقد يؤدي تجاهل المشكلات المتراكمة أو ترك أحد الشريكين يتحمل العبء العاطفي وحده إلى تدهور العلاقة تدريجيا، حتى في غياب خلافات حادة أو أخطاء واضحة.
وفي المقابل، يساعد التعاون والتواصل والاستعداد للتعامل مع الأزمات على تقليل أثر الضغوط الخارجية، ويمنح الشريكين فرصة أفضل للحفاظ على الانسجام.
ومع ذلك، من المهم التمييز بين النموذج الرياضي والتنبؤ بمصير زواج بعينه. فالنموذج يقدم إطارا لفهم ديناميكيات العلاقات، لكنه لا يعني أن انهيار الزواج يمكن تحديده بمعادلة بسيطة، أو أن جميع العلاقات تتبع المسار نفسه.
الخلاصة: يسلط النموذج الرياضي الذي طوره باحثون من جامعة إشبيلية الضوء على أهمية التوازن في الجهد العاطفي والتعاون في مواجهة الضغوط للحفاظ على استقرار الزواج. وعندما يتحمل أحد الشريكين العبء الأكبر لفترة طويلة، فقد يزداد خطر الإرهاق العاطفي وتدهور العلاقة. لكن الحب والتعاون والجهد المتبادل تظل عوامل مهمة في مواجهة هذه التحديات.