يمكن لكميات صغيرة من الغلوتين أن تسبب تلفا في الأمعاء بالنسبة إلى المصابين بالداء البطني، المعروف أيضا باسم السيلياك .
ويظل الحل الوحيد المعتمد حاليا هو الالتزام بنظام غذائي صارم خال من الغلوتين.
لكن حتى عند التدقيق بعناية في مكونات الأطعمة، قد تحدث أخطاء تؤدي إلى تناول الغلوتين عن طريق الخطأ، كما يمكن أن تستمر الأعراض لدى ما يصل إلى 40% من المرضى.
ومع ذلك، هناك خيارات علاجية أفضل قيد التطوير.
تعمل شركات الأدوية على دراسة عدد من العقاقير الجديدة، وقد اجتاز أحدها مؤخرا تجربة سريرية من المرحلة الثانية.
يحمل الدواء اسم FB102، وهو اسم قد لا يبدو لافتا، لكن مظهر الدواء أو اسمه لا يعكسان بالضرورة أهميته المحتملة.
ويعطى هذا الدواء عن طريق التسريب الوريدي، وقد تكون لديه القدرة على حماية الأمعاء من التعرض العرضي للغلوتين، وهي فائدة لا يستطيع أي دواء معتمد حاليا تحقيقها.
وأعلنت شركة الأدوية المالكة له، أرجنكس إس إي (argenx SE)، نتائج أولية إيجابية من تجربته السريرية في المرحلة الثانية.
ولم تخضع هذه النتائج بعد لمراجعة الأقران، لكن المرضى المصابين بالداء البطني الذين تلقوا FB102 أظهروا قدرة أكبر على الحفاظ على سلامة بطانة الأمعاء أثناء التعرض للغلوتين، مقارنة بمن تلقوا دواء وهميا.
وقال لوك تروين، كبير المسؤولين الطبيين في شركة أرجنكس: «تعزز هذه النتائج الإيجابية من المرحلة الثانية قناعتنا بالإمكانات التي يمتلكها FB102 لتلبية حاجة علاجية كبيرة لم يجر تلبيتها لدى المصابين بالداء البطني، في ظل عدم وجود علاجات معتمدة لهذا المرض حاليا».
كيف أجريت التجربة السريرية؟
شملت التجربة السريرية الأخيرة 126 مريضا تأكدت إصابتهم بالداء البطني. وكان المشاركون لا يعانون من أعراض وقت بدء الدراسة، ويلتزمون بنظام غذائي صارم خال من الغلوتين منذ عام واحد على الأقل.
وخضع المشاركون لاختبار تحدي الغلوتين عن طريق الفم، وهو إجراء يهدف إلى تقييم استجابة الجسم عند تناول الغلوتين تحت ظروف محددة ومراقبة. واستمرت هذه المرحلة ثمانية أسابيع.
وُزع المشاركون عشوائيا على مجموعتين، تلقت إحداهما دواء وهميا خلال فترة الدراسة، بينما تلقت المجموعة الأخرى جرعات من FB102 عن طريق التسريب الوريدي.
ولم يكن المشاركون ولا الباحثون يعرفون من تلقى الدواء الفعلي ومن تلقى الدواء الوهمي، وهو ما يساعد على الحد من تأثير التوقعات في نتائج التجربة.
وفي اليوم الثامن والسبعين، حلل الباحثون مقدار التلف الذي سببه الغلوتين في الغشاء المخاطي المبطن للأمعاء، وقارنوا النتائج بالحالة المسجلة في بداية التجربة.
كيف يسبب الغلوتين تلف الأمعاء؟
حساسية الغلوتين ( مصدر الصور: Getty Images )
عندما يتناول المصابون بالداء البطني أطعمة تحتوي على الغلوتين، تميل الزغابات المعوية، وهي بروزات صغيرة تشبه الأصابع وتمتد من جدار الأمعاء الدقيقة، إلى القصر والتسطح. وفي الوقت نفسه، تصبح الأخاديد الموجودة بين هذه البروزات أعمق.
وتؤدي هذه التغيرات إلى تضرر البنية الطبيعية لبطانة الأمعاء، وقد تؤثر في قدرتها على امتصاص العناصر الغذائية.
فقد أظهر المشاركون الذين تلقوا الدواء الجديد علامات أقل على إصابة الأمعاء نتيجة تناول الغلوتين. كما سجلوا استجابة مناعية التهابية أقل في الغشاء المخاطي المبطن للأمعاء.
هل يستطيع المرضى تناول الغلوتين بعد استخدام الدواء؟
لا تعني هذه النتائج أن دواء FB102 سيسمح مستقبلا للمصابين بالداء البطني بتناول الغلوتين من دون حذر.
فقد أعطي الدواء في ظروف تجريبية خاضعة للرقابة، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت آثاره الوقائية ستتحقق بالدرجة نفسها في الحياة اليومية.
ومع ذلك، يرى الباحثون أن النتائج تستحق مزيدا من الدراسة، خصوصا أنه لا توجد حاليا وسيلة دوائية معتمدة لحماية الأمعاء من التعرض العرضي للغلوتين لدى المصابين بهذا المرض.
وقال تروين: «إلى جانب ملف السلامة المتسق الذي لوحظ عبر الدراسات، تدعم هذه النتائج الانتقال بدواء FB102 إلى المرحلة الثالثة من التطوير السريري، ومواصلة استكشاف إمكاناته الأوسع في علاج الأمراض التي تتوسط فيها آليات المناعة».
كيف يعمل دواء FB102؟
يخضع دواء FB102 للتجارب السريرية منذ عدة سنوات، وقد صمم خصيصا لاستهداف مستقبل موجود على بعض الخلايا المناعية، يعرف باسم CD122.
وتستجيب هذه المستقبلات للرسائل الالتهابية التي تستخدمها الخلايا المناعية للتواصل وتنظيم نشاطها.
وفي عام 2009، أظهر باحثون أن حجب هذا المستقبل لدى فئران تعاني من مشكلات مناعية ذاتية في الأمعاء أدى إلى عكس بعض الأضرار التي لحقت بأمعائها.
وأدت هذه النتيجة إلى طرح فرضية مفادها أن مستقبل CD122 وتفاعله مع الإشارات الالتهابية يؤديان دورا أساسيا في تطور الداء البطني واستمراره.
وبناء على ذلك، طور باحثون في شركة فورتِه بايوساينسز (Forte Biosciences Inc)، التي استحوذت عليها لاحقا شركة أرجنكس، دواء FB102.
وصمم الدواء لحجب مستقبلات CD122 على فئات محددة من الخلايا التائية المناعية التي تسهم في الاضطرابات المناعية، مع الحفاظ على المستقبلات في فئات أخرى من هذه الخلايا.
وتشير النتائج الأولية إلى أن الدواء قد لا يقتصر استخدامه المحتمل على علاج الداء البطني، بل قد تكون له فائدة في علاج أمراض مناعية ذاتية أخرى، مثل البهاق.
والبهاق حالة مناعية ذاتية مزمنة وغير شائعة نسبيا، تؤدي إلى فقدان الجلد لونه الطبيعي في مناطق محددة، فتظهر بقع فاتحة اللون.
ويشتبه الباحثون أيضا في أن الدواء قد يكون مفيدا في علاج الثعلبة البقعية، وهي حالة مناعية تؤدي إلى تساقط الشعر في بقع محددة.
لكن إثبات هذه الاستخدامات المحتملة لا يزال يتطلب مزيدا من الأبحاث والتجارب السريرية.
ما الخطوات المطلوبة قبل اعتماد الدواء؟
لا تزال هناك حاجة إلى إجراء مزيد من الدراسات قبل معرفة ما إذا كان FB102 سيصبح علاجا معتمدا للداء البطني.
ووفقا لمسودة إرشادات إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)، فإن العقاقير المخصصة للاستخدام المزمن، مثل FB102، تحتاج إلى إثبات فعاليتها في التجارب السريرية لمدة لا تقل عن 52 أسبوعا. كما يتعين عليها إثبات الفعالية من دون إخضاع المرضى لاختبار تحدي الغلوتين.
ولا يزال الباحثون في شركة أرجنكس يعملون للوصول إلى هذه المرحلة من التقييم.
وقال تروين: «تستند هذه الدراسة إلى تجربة المرحلة الأولى ب، وتقدم أدلة سريرية متسقة على أن حجب مستقبل CD122 يمكن أن يحمي من تلف الأمعاء الناجم عن الغلوتين، ويمنع ظهور الأعراض لدى المرضى، حتى عند استخدام اختبار تحدي أكثر كثافة للغلوتين. وهذا يعزز مكانة CD122 بوصفه هدفا علاجيا واعدا للداء البطني».
وراجعت فيونا ماكدونالد صحة المعلومات الواردة في المقال، كما تولت تحريره. وأشار الموقع الناشر إلى أن المراجعة قد لا تمنع جميع الأخطاء، ودعا القراء إلى الإبلاغ عن أي معلومات غير دقيقة.