توصل باحثون أستراليون إلى نتائج قد تغير المفاهيم السائدة حول مرض السيلياك (الداء البطني)، بعدما كشفت دراسة حديثة أن المرض لا ينشأ فقط بسبب فرط نشاط الجهاز المناعي كما كان يُعتقد سابقا، بل قد يكون مرتبطا بخلل جوهري في عمل الخلايا المناعية نفسها.
وتشير النتائج إلى إمكانية تطوير وسائل للكشف المبكر عن المرض قبل ظهور أعراضه السريرية، وهو ما قد يساعد في الوقاية من مضاعفاته وتحسين فرص التدخل العلاجي المبكر.
ما هو مرض السيلياك؟
مرض السيلياك ( مصدر الصورة: Unsplash )
يُعد مرض السيلياك من الأمراض المناعية الذاتية المزمنة، ويحدث عندما يتفاعل الجهاز المناعي بشكل غير طبيعي مع الغلوتين، وهو بروتين يوجد في القمح والشعير وبعض الحبوب الأخرى.
ويؤدي هذا التفاعل إلى إتلاف بطانة الأمعاء الدقيقة، مما يسبب اضطرابات في امتصاص العناصر الغذائية ومجموعة واسعة من الأعراض الهضمية وغير الهضمية.
دراسة من أستراليا
أُجريت الدراسة في Snow Centre for Immune Health بقيادة الباحثين:
Vanessa Bryant.
Phil Hodgkin.
Susanne Heinzel.
وسعى الفريق إلى فهم السلوك الحقيقي للخلايا المناعية لدى الأشخاص المصابين بالسيلياك.
تقنية جديدة لرصد الخلايا المناعية
استخدم الباحثون نموذجا متطورا يعرف باسم Cyton2 Cell Timer، وهو نظام يسمح بمراقبة الخلايا التائية المساعدة (CD4 T Cells) بعد تنشيطها لفترة قصيرة ثم إيقاف جميع الإشارات المحفزة لها.
وأتاح هذا الأسلوب للعلماء دراسة قدرة الخلايا على الاستمرار في العمل بشكل طبيعي دون تحفيز مستمر، وهو ما يشبه اختبار "القدرة الاحتياطية" للخلايا المناعية.
نتائج غير متوقعة
خلافًا للاعتقاد السائد بأن الخلايا المناعية لدى مرضى السيلياك تكون مفرطة النشاط، أظهرت النتائج أنها كانت أقل كفاءة وحيوية مقارنة بالخلايا لدى الأشخاص غير المصابين.
وكشفت الدراسة أن هذه الخلايا:
تنتج كميات أقل من بروتين إنترلوكين-2 (IL-2).
تبدأ عملية الانقسام والتكاثر بشكل أبطأ.
تكون أكثر عرضة للموت الخلوي.
تمتلك قدرة أقل على الاستمرار في أداء وظائفها الطبيعية.
مؤشرات على استعداد وراثي
أحد أبرز نتائج الدراسة أن هذه الاختلافات بقيت ثابتة بغض النظر عن:
جنس المريض.
اتباع نظام غذائي خالٍ من الغلوتين.
ويرى الباحثون أن ذلك يشير إلى وجود استعداد وراثي عميق مرتبط بالمرض، وليس مجرد استجابة مؤقتة للنظام الغذائي أو للعوامل البيئية.
آفاق جديدة للتشخيص المبكر
تشير النتائج إلى أن خطر الإصابة بالسيلياك قد يكون موجودًا في سلوك الخلايا المناعية منذ المراحل المبكرة جدا من الحياة، حتى قبل ظهور الأعراض أو حدوث تلف في الأمعاء.
وإذا تم تأكيد هذه النتائج في دراسات إضافية، فقد يصبح من الممكن تطوير اختبارات تكشف الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالمرض قبل سنوات من ظهور العلامات السريرية التقليدية.
فوائد محتملة تتجاوز السيلياك
يعتقد الباحثون أن فهم الآليات الأساسية لعمل الخلايا التائية المساعدة قد لا يقتصر على مرض السيلياك فقط.
فقد تساهم هذه المعرفة في تحسين فهم مجموعة واسعة من الأمراض المناعية الذاتية التي تنشأ نتيجة اضطرابات مشابهة في تنظيم الجهاز المناعي.
كما قد تساعد النتائج مستقبلًا في تطوير علاجات وقائية تستهدف الخلل المناعي في مراحله المبكرة قبل تطور المرض بشكل كامل.
أهمية الاكتشاف
تمثل الدراسة خطوة مهمة نحو إعادة تفسير أسباب الأمراض المناعية الذاتية، إذ تشير إلى أن المشكلة قد لا تكون دائما في نشاط مناعي مفرط، بل أحيانا في ضعف أو خلل وظيفي داخل الخلايا المسؤولة عن تنظيم الاستجابة المناعية.
وقد يساهم هذا الفهم الجديد في تطوير استراتيجيات أكثر دقة للكشف المبكر والعلاج الوقائي للسيلياك وأمراض مناعية أخرى.