اكتشف باحثون العامل الذي يطلق استجابة دفاعية قوية لدى البكتيريا ضد الفيروسات .
وقد تصبح الفيروسات التي تهاجم البكتيريا أداة مهمة بصورة متزايدة لعلاج العدوى البكتيرية، ولا سيما مع تزايد مقاومة المضادات الحيوية، التي تجعل السيطرة على بعض أنواع العدوى أكثر صعوبة.
وتُعرف هذه الفيروسات باسم العاثيات البكتيرية، وهي فيروسات تستطيع إصابة البكتيريا الضارة وتدميرها من دون إتلاف الخلايا البشرية.
لكن استخدام العاثيات في العلاج يواجه تحديا أساسيا، إذ إن البكتيريا ليست عاجزة عن الدفاع عن نفسها ضد الفيروسات، بل تمتلك أنظمة مناعية خاصة بها. وقد يساعد فهم هذه الدفاعات العلماء على تصميم علاجات بالعاثيات تستطيع تجاوزها بفاعلية أكبر.
والآن، كشف الباحثون عن آلية غير متوقعة تستخدمها البكتيريا للتعرف على هجوم فيروسي وشيك. فبدلا من الاكتفاء باستشعار المادة الوراثية للفيروس، تستطيع البكتيريا اكتشاف نشاط إنزيم يحتاج إليه الفيروس نفسه. وعندما يقطع هذا الإنزيم الفيروسي جزيئا استشعاريا مهما داخل البكتيريا، فإنه يطلق استجابة مناعية دفاعية.
فيروس يكشف عن نفسه عند مهاجمة البكتيريا ( مصدر الصور: Unsplash )
وقد يساعد هذا الاكتشاف مستقبلا العلماء على تطوير علاجات أكثر فاعلية باستخدام العاثيات، بما يمكنها من تجنب دفاعات البكتيريا المناعية أو التغلب عليها.
وقال سام هوبز، الحاصل على درجة الدكتوراه والأستاذ المساعد في الكيمياء الحيوية بجامعة يوتا هيلث، والمؤلف الأول للدراسة التي تصف البحث: «هذا أحد أكثر أشكال المناعة البكتيرية شيوعا، ولذلك كان اكتشاف آلية عمله أخيرا لحظة فارقة ومثيرة للغاية بالنسبة إلينا».
الدفاع الأخير لدى البكتيريا ضد الفيروسات
يُعرف النظام المناعي الذي تناوله البحث باسم CBASS. وعندما يُفعّل هذا النظام، يمكن أن يؤدي إلى استراتيجية دفاعية شديدة تتمثل في قتل البكتيريا المصابة لنفسها، قبل أن يتمكن الفيروس الغازي من التكاثر والانتشار إلى الخلايا البكتيرية المجاورة.
ونظرا إلى أن تنشيط هذه الاستجابة يكلف البكتيريا حياتها، فإن النظام يحتاج إلى وسيلة موثوقة للتأكد من وقوع هجوم فيروسي حقيقي قبل إطلاق هذه الاستجابة النهائية.
ووجد هوبز وزملاؤه أن مستشعر البكتيريا يستجيب لجزيء يعتمد عليه الفيروس الغازي من أجل البقاء والتكاثر.
فبعض العاثيات تنتج إنزيمات تسمى البروتياز، وهي إنزيمات تعمل على قطع البروتينات وتفكيكها.
وأوضح هوبز: «تمتلك بعض أنواع العاثيات بروتينا يسمى البروتياز، وهو يعمل على تفكيك بروتينات أخرى. واكتشفنا أن البروتياز الذي تنتجه العاثية يؤثر مباشرة في بروتين لدى البكتيريا المضيفة، وأن هذا التأثير هو الإشارة التي تشغّل مسار الإشارات بأكمله».
وبعبارة أخرى، يكشف الفيروس عن وجوده من خلال إحدى الأدوات الجزيئية التي يستخدمها أثناء العدوى. فعندما يقطع إنزيم البروتياز الفيروسي البروتين البكتيري، يصبح هذا النشاط بمثابة إشارة تحذير تنشّط نظام CBASS المناعي.
إشارة فيروسية غير متوقعة
تختلف هذه الآلية بصورة واضحة عن آليات دفاعية أخرى مضادة للفيروسات تتعرف على المادة الوراثية للفيروسات الغازية.
فبدلا من اكتشاف الحمض النووي DNA أو الحمض النووي الريبي RNA الخاص بالفيروس، يستشعر هذا النظام البكتيري نشاط بروتين فيروسي.
وقال هوبز: «هذه آلية جديدة تماما تفسر كيفية تنشيط هذه البروتينات الموجودة لدى الكائن المضيف. لم أكن لأتوقع أبدا أن تكون هذه هي الطريقة التي تعمل بها».
وقد يكون فهم هذه الإشارة الجزيئية مهما بصورة خاصة لتحسين العلاج بالعاثيات. فإذا تمكن الباحثون من معرفة الكيفية الدقيقة التي تتعرف بها البكتيريا على عاثيات معينة، فقد يستطيعون تطوير فيروسات علاجية تقل احتمالات تنشيطها لهذه الدفاعات المناعية.
ومن شأن ذلك أن يجعل العاثيات أكثر فاعلية في مهاجمة البكتيريا الضارة، بما فيها السلالات التي طورت مقاومة للمضادات الحيوية التقليدية.
صلة تطورية قديمة بالمناعة البشرية
قد تتجاوز أهمية هذه النتائج عالم البكتيريا، إذ يرتبط نظام CBASS بمسار مناعي موجود لدى الإنسان، ما يشير إلى أن العناصر الأساسية لهذه الآلية الدفاعية المضادة للفيروسات تعود إلى أصول تطورية سحيقة.
وبحسب الباحثين، فإن هذا الارتباط يشير إلى أن المسار المناعي كان موجودا على الأقل منذ زمن السلف المشترك البعيد الذي انحدرت منه البكتيريا والبشر.
كما تتكاثر البكتيريا وتتطور بسرعة، ما يجعلها نماذج مفيدة لدراسة الأسئلة الأساسية المتعلقة بالمناعة. ويستطيع العلماء فحص الآليات المناعية لدى البكتيريا خلال فترات قصيرة نسبيا، ثم اختبار ما إذا كانت المبادئ نفسها تنطبق على نماذج بيولوجية أقرب إلى الإنسان.
وقال هوبز: «يشير الحفاظ على هذه الأنظمة لدى البكتيريا والبشر إلى أنها استمرت لدى هذه الكائنات المختلفة طوال المسار التطوري. وتخبرنا الخلايا بأن هذا مسار مهم للغاية، لأنها حافظت عليه مليارات السنين. وهذا أمر مثير للاهتمام بصورة استثنائية، كما أنه يتيح لنا نافذة لفهم العوامل المهمة للحفاظ على القدرة على مقاومة الفيروسات».
ونُشر البحث في مجلة Science تحت عنوان: «تنشيط مناعة CBASS المضادة للعاثيات بواسطة إنزيمات البروتياز التي تنتجها العاثيات» (Phage proteases activate CBASS antiphage immunity).