يسمع الإنسان الأصوات بواسطة الأذنين، إذ تصطدم الموجات الصوتية بطبلة الأذن، التي تنقل الاهتزازات عبر ثلاث عظيمات صغيرة إلى الأذن الداخلية، ومنها تنتقل الإشارات إلى الدماغ. وتتميز هذه الآلية بالبساطة والفاعلية.
لكن التطور أنتج خمسة حلول أخرى على الأقل للمهمة نفسها. فبعض الحيوانات لا تمتلك آذانا خارجية أو طبلة أذن، ومع ذلك تستطيع تمييز الأصوات، بل إن بعضها يتمتع بقدرات سمعية تتفوق على قدرات الإنسان في جوانب معينة.
1. الثعابين تسمع بواسطة الجمجمة
كيف تسمع الثعابين؟ ( مصادر الصور: Medical Xpress )
كان الاعتقاد السائد لفترة طويلة أن الثعابين صماء، لأنها لا تمتلك أذنا خارجية أو طبلة أذن. ولذلك، وصفها علماء الزواحف والبرمائيات لسنوات بأنها حيوانات لا تشعر إلا بالاهتزازات التي تنتقل عبر الأرض.
لكن في عام 2023، اختبر فريق من علماء الأحياء في جامعة كوينزلاند، بقيادة كريستينا زدينكا، هذه الفرضية على ثعابين تنتمي إلى خمسة أنواع مختلفة.
كيف اختبر العلماء سمع الثعابين؟
وضع الباحثون الثعابين على منصة خاصة، ينقل أحد جانبيها الاهتزازات الناتجة عن الصوت، بينما لا ينقل الجانب الآخر هذه الاهتزازات.
لاحظت زدينكا وفريقها أن الثعابين استجابت للاهتزازات باستخدام الجزء الأمامي من أجسامها. وبعد ذلك، أزال الباحثون الاهتزازات من المنصة وأبقوا على الصوت المنتقل عبر الهواء فقط، ومع ذلك استمرت الثعابين في الاستجابة.
وأشارت هذه النتائج إلى أن الثعابين تستطيع التقاط الأصوات حتى في غياب طبلة الأذن.
وعلى الرغم من ذلك، فإن الثعابين تمتلك أذنا داخلية مكتملة التكوين، ترتبط بعظمة مربعة في الفك. وعندما تصطدم الموجات الصوتية بالجمجمة، تبدأ العظام بالاهتزاز، وتنتقل هذه الاهتزازات إلى الأذن الداخلية، حيث تتحول إلى إشارات يستطيع الدماغ تفسيرها بوصفها أصواتا.
وأظهرت الدراسة أن الثعابين تسمع الترددات التي تتراوح بين 80 و160 هرتزا بصورة أفضل. ويقارب هذا النطاق النغمات المنخفضة جدا لآلة التشيلو. فما يمثل صوتا منخفض التردد بالنسبة إلى الإنسان، يقع ضمن النطاق السمعي الفعال لدى الثعابين.
2. العناكب تسمع بواسطة الشعيرات الموجودة على أرجلها
يبلغ حجم بعض العناكب القافزة نحو حجم ظفر الإبهام، وتمتلك ثماني عيون تمنحها مجال رؤية واسعا يكاد يكون دائريا. لكن قدراتها السمعية ظلت غير مفهومة جيدا لفترة طويلة.
وفي عام 2016، كان عالم الأعصاب بول شامبل من جامعة كورنيل يدرس الرؤية لدى العناكب، عندما قاده حدث عرضي في المختبر إلى اكتشاف غير متوقع.
اكتشاف عرضي كشف قدرة العناكب على السمع
كان أحد زملاء شامبل يسجل نشاط الخلايا العصبية في دماغ عنكبوت، وعندما ابتعد بكرسيه عن الطاولة، أصدر أحد العجلات صوت صرير. وفي اللحظة نفسها، أطلقت إحدى الخلايا العصبية في دماغ العنكبوت إشارة كهربائية.
بعد ذلك، بدأ الباحثون بالتصفيق مع الابتعاد تدريجيا عن العنكبوت. ولاحظوا أنه استجاب للأصوات الصادرة عن التصفيق من مسافة تصل إلى خمسة أمتار.
وبالنسبة إلى عنكبوت لا يتجاوز طوله نحو خمسة مليمترات، تعادل هذه المسافة ألف ضعف طول جسمه.
ولا تمتلك العناكب آذانا بالمعنى المعتاد، لكنها تعتمد على شعيرات دقيقة وحساسة موجودة على أرجلها. فعندما تمر الموجات الصوتية عبر الهواء، تهتز الشعيرات بفعل حركة الهواء، وتنقل النهايات العصبية إشاراتها إلى الدماغ.
وعندما وضع الباحثون قطرة ماء على أرجل العنكبوت، التصقت الشعيرات بعضها ببعض، وفقد العنكبوت قدرته على التقاط الأصوات في التجربة.
وتستجيب العناكب بصورة أفضل للترددات التي تتراوح بين 80 و130 هرتزا. ويقع هذا النطاق ضمن الترددات المنخفضة نسبيا، التي قد تساعدها على التقاط أصوات مرتبطة ببيئتها، بما في ذلك الأصوات الصادرة عن الدبابير التي تمثل أحد أخطارها.
3. الأسماك تسمع وتستشعر الحركة بواسطة الخط الجانبي
تعيش الأسماك في الماء، حيث تنتقل الأصوات بسرعة تزيد بنحو أربعة أضعاف ونصف على سرعتها في الهواء. وتختلف طريقة انتقال الصوت في الماء عن انتقاله في الهواء، ما يتطلب آليات حسية تتلاءم مع البيئة المائية.
ولهذا، تمتلك الأسماك عضوا حسيا إضافيا يساعدها على التقاط حركة الماء واهتزازاته، يعرف باسم الخط الجانبي.
ما الخط الجانبي لدى الأسماك؟
الخط الجانبي عبارة عن قناة تمتد على طول جسم السمكة، وتحتوي على خلايا حسية مزودة بشعيرات دقيقة.
وعندما يتحرك الماء أو يهتز، تنحرف هذه الشعيرات، فتستشعر السمكة الحركة المحيطة بها.
ولا يقتصر دور الخط الجانبي على التقاط الاهتزازات المرتبطة بالصوت، بل يساعد أيضا على اكتشاف تيارات الماء التي تنتج عن حركة الفرائس أو الحيوانات المفترسة.
وتكتسب هذه القدرة أهمية خاصة لدى الأسماك التي تصطاد في المياه العكرة، حيث تكون الرؤية محدودة ولا تكفي وحدها لتحديد مواقع الفرائس أو رصد الأخطار.
أما الأذن الداخلية لدى الأسماك، فهي أبسط من نظيرتها لدى الإنسان، وتستجيب لحركة الماء التي تنتجها الموجات الصوتية.
ولدى بعض الأنواع، مثل سمك السلور والرنجة، تتصل المثانة الهوائية بالأذن الداخلية عبر عظيمات صغيرة. والمثانة الهوائية كيس مملوء بالغاز داخل جسم السمكة، ويساعدها أساسا على تنظيم الطفو.
وعندما تؤثر الموجات الصوتية في المثانة الهوائية، فإنها تجعلها تهتز، ما يساعد على تضخيم الإشارة الواصلة إلى الأذن الداخلية.
وهكذا، يعمل الخط الجانبي والأذن الداخلية بصورة متكاملة؛ إذ يلتقط الأول حركة الماء، بينما تساعد الثانية على استشعار الضغط الصوتي والاهتزازات المرتبطة به.
4. الجدجد يسمع بواسطة أعضاء موجودة على ساقيه
يصدر الجدجد أصواتا متقطعة لجذب الإناث، ويجب أن تتمكن الأنثى من سماع هذه الإشارات من مسافة قد تصل إلى عدة أمتار.
لكن أعضاء السمع لدى هذه الحشرات لا توجد على الرأس، بل على الأرجل الأمامية، وتحديدا في منطقة الساق، وهي الجزء الواقع بين الفخذ والقدم.
كيف تعمل الأعضاء السمعية في ساق الجدجد؟
تحتوي ساق كل رجل أمامية لدى الجدجد على تجويفين بيضاويين، تغطيهما طبقة رقيقة من النسيج تعرف بالغشاء الطبلي.
ويوجد أسفل هذا الغشاء تجويف هوائي متصل بالجهاز القصبي، وهو شبكة من الأنابيب التي تنقل الهواء داخل جسم الحشرة.
عندما تصل الموجات الصوتية إلى الغشاء من الخارج، يؤثر ضغط الهواء في الجهة الداخلية منه أيضا عبر الجهاز القصبي. ويؤدي اختلاف الضغط بين الجانبين إلى اهتزاز الغشاء، ثم تنقل الخلايا الحسية الإشارة إلى الجهاز العصبي.
وتوجد الأعضاء السمعية في الساقين على مسافتين مختلفتين من مصدر الصوت. ويقارن دماغ الجدجد بين توقيت وصول الإشارة إلى الرجل اليمنى والرجل اليسرى، ما يساعده على تحديد اتجاه الصوت ومصدره.
كما تستجيب أجزاء مختلفة من الجهاز السمعي لأنواع مختلفة من الإشارات. فالإشارات المنخفضة التردد المرتبطة بالنداءات أو السلوك العدواني تنشط قسما معينا من الجهاز السمعي، بينما تنشط إشارات التزاوج عالية التردد قسما آخر.
وبذلك، يستطيع الجهاز السمعي نفسه المساعدة على أداء وظيفتين مختلفتين، هما التواصل والتعرف على الإشارات المرتبطة بالسلوك العدواني.
5. البعوض يسمع بواسطة قرون الاستشعار
لا يتغذى البعوض على الدم في جميع مراحل حياته أو لدى جميع أفراده؛ فالذكور تتغذى على رحيق الأزهار، بينما تحتاج الإناث لدى كثير من الأنواع إلى الدم للحصول على العناصر الغذائية اللازمة لإنتاج البيض.
ولكي يتمكن ذكر البعوض من العثور على الأنثى، يحتاج إلى التقاط صوت طيرانها. وتصدر أجنحة الأنثى اهتزازات بتردد يقارب 400 هرتز، يستطيع الذكر استشعارها بواسطة قرون الاستشعار.
عضو جونستون يحول اهتزازات الهواء إلى إشارات عصبية
يوجد عند قاعدة كل قرن استشعار لدى البعوض تجمع من الخلايا الحسية يعرف باسم عضو جونستون.
ويعمل هذا العضو بطريقة تشبه مستقبل الإشارات، لكنه لا يستقبل موجات الراديو، بل يستشعر الاهتزازات الميكانيكية الناتجة عن حركة الهواء.
وعندما تطير أنثى البعوض بالقرب من الذكر، تولد حركة أجنحتها موجات صوتية تجعل قرني استشعار الذكر يهتزان. ويحول عضو جونستون هذه الاهتزازات إلى إشارات عصبية، تساعد الذكر على تحديد مصدر الصوت والتوجه نحوه.
ويتميز هذا العضو بحساسية شديدة، إذ يستطيع رصد إزاحات صغيرة جدا في قرون الاستشعار، تصل إلى نطاق النانومتر، أي جزء من مليار جزء من المتر.
وتوضح هذه الحساسية مدى قدرة الجهاز الحسي لدى البعوض على التقاط الاهتزازات الدقيقة. ومع ذلك، تختلف المقارنات بين حساسية أجهزة السمع لدى الأنواع المختلفة باختلاف الترددات والظروف التي تجرى فيها القياسات.
لماذا لا تحتاج الحيوانات إلى آذان تقليدية كي تسمع؟
توضح هذه الأمثلة أن التقاط الصوت لا يعتمد بالضرورة على وجود أذن خارجية أو طبلة أذن، بل على قدرة الجهاز الحسي على اكتشاف الاهتزازات وتحويلها إلى إشارات عصبية يستطيع الدماغ تفسيرها.
وتستخدم الحيوانات الخمس آليات مختلفة لتحقيق الهدف نفسه:
الثعابين: تلتقط الاهتزازات عبر الجمجمة وعظام الفك، وتنقلها إلى الأذن الداخلية.
العناكب: تستشعر اهتزازات الهواء بواسطة الشعيرات الحسية الموجودة على أرجلها.
الأسماك: تعتمد على الخط الجانبي لاستشعار حركة الماء، وعلى الأذن الداخلية لالتقاط الاهتزازات الصوتية.
الجدجد: يستقبل الأصوات بواسطة أغشية طبليّة موجودة على الساقين الأماميتين.
البعوض: يستشعر اهتزازات الهواء بواسطة قرون الاستشعار وعضو جونستون.
أما الإنسان، فيعتمد على طبلة الأذن والعظيمات الثلاث الموجودة في الأذن الوسطى لنقل الاهتزازات إلى الأذن الداخلية.
وتكشف هذه الاختلافات عن تنوع الحلول التي تطورت لدى الكائنات الحية للتعامل مع الأصوات والاهتزازات في بيئات مختلفة. فالأذن التقليدية ليست الطريقة الوحيدة لاستشعار الصوت، بل واحدة من عدة آليات حسية تطورت لتلبية احتياجات الحيوانات.