قد يرتبط الاستخدام طويل الأمد لأحد أشهر المكملات المساعدة على النوم بزيادة خطر الإصابة بمشكلات قلبية خطيرة، وفقا لنتائج بحث أولي أثارت قلق بعض العلماء.
ويستخدم الميلاتونين على نطاق واسع للمساعدة على النوم، وهو هرمون ينتجه الدماغ بصورة طبيعية لتنظيم الساعة البيولوجية للجسم. وتتوفر مكملاته في الولايات المتحدة ودول أخرى دون وصفة طبية، ما يسمح لكثير من الأشخاص بتناولها من دون إشراف طبي على الجرعة أو مدة الاستخدام.
لكن تحليلا بحثيا عرض عام 2025 أشار إلى أن البالغين المصابين بالأرق الذين وُصف لهم الميلاتونين لفترة طويلة قد يكونون أكثر عرضة للإصابة بقصور القلب والوفاة خلال السنوات التالية.
الآثار الجانبية للميلاتونين ( مصدر الصورة: Pixabay )
ومع ذلك، فإن النتائج أولية ولم تخضع بعد لمراجعة الأقران، ولا تثبت أن الميلاتونين هو السبب المباشر لهذه المخاطر.
ما الذي كشفه التحليل؟
حلل الباحثون، بقيادة إكينيديليتشوكو نادي من مركز الرعاية الأولية التابع لجامعة ولاية نيويورك ومركز كينغز كاونتي في نيويورك، السجلات الصحية الإلكترونية لأكثر من 130 ألف بالغ من عدة دول، بينهم أشخاص يعانون من الأرق.
وقارن الفريق بين الأشخاص الذين سُجلت لهم وصفات للميلاتونين على المدى الطويل، وبين أشخاص لم تُسجل لهم وصفات بهذا المكمل.
وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين وُصف لهم الميلاتونين لأكثر من عام كانت لديهم، خلال فترة متابعة امتدت خمس سنوات، زيادة نسبية بلغت 89% في خطر الإصابة بقصور القلب، مقارنة بمن لم تُسجل لهم وصفات به.
كما أشارت النتائج إلى أن احتمال الوفاة لأي سبب كان لدى المجموعة التي وُصف لها الميلاتونين لفترة طويلة يقارب ضعفي الاحتمال لدى المجموعة الأخرى.
وفي تحليل إضافي، كان الأشخاص الذين استخدموا الميلاتونين لأكثر من عام أكثر عرضة بنحو 3.5 مرات لدخول المستشفى بسبب قصور القلب، مقارنة بمن لم يتناولوه وفقا لتصنيف الباحثين.
وارتفعت نسبة الوفاة لأي سبب من 4.3% في إحدى المجموعتين إلى 7.8% في المجموعة الأخرى.
وهذه الأرقام تصف ارتباطات رصدها التحليل، ولا تعني أن تناول الميلاتونين أدى بالضرورة إلى حدوث تلك الحالات.
هل يسبب الميلاتونين قصور القلب؟
لا تثبت الدراسة وجود علاقة سببية بين استخدام الميلاتونين وقصور القلب.
فقد اعتمد الباحثون على تحليل السجلات الصحية، ولم يوزعوا المشاركين عشوائيا على مجموعات تتناول المكمل أو لا تتناوله. لذلك، يمكن أن تكون هناك عوامل أخرى تفسر جزءا من الارتباط، مثل الأمراض المصاحبة أو شدة اضطرابات النوم أو اختلافات الحالة الصحية بين المجموعتين.
كما لم يسأل الباحثون المشاركين مباشرة عن استخدامهم للميلاتونين، بل اعتمدوا على سجلات الوصفات الطبية لتقدير من تناولوه.
وهذه نقطة مهمة، لأن الميلاتونين متاح دون وصفة طبية في الولايات المتحدة. ومن المحتمل أن يكون بعض الأشخاص المصنفين ضمن المجموعة التي لم تُوصف لها أدوية قد اشتروا المكمل بأنفسهم واستخدموه بالفعل.
أما في المملكة المتحدة، وهي إحدى الدول التي شملتها البيانات، فيتوفر الميلاتونين بوصفة طبية فقط، ما قد يؤدي إلى اختلافات في طريقة تسجيل استخدامه بين الدول.
وأشار كارلوس إيغيا، رئيس الاتحاد الإسباني لجمعيات طب النوم، الذي لم يشارك في الدراسة، إلى هذه المحدودية، لكنه رأى أن الارتباطات التي رصدها الباحثون تستحق المتابعة.
وقال إن النتائج تثير تساؤلات حول اعتبار الميلاتونين خيارا آمنا للاستخدام المزمن، وتبرز الحاجة إلى تجربة مستقبلية مضبوطة لتحديد مستوى سلامته على المدى الطويل.
لماذا يحتاج الاستخدام طويل الأمد إلى مزيد من الدراسة؟
يُعد الميلاتونين هرمونا طبيعيا يساعد على تنظيم دورة النوم والاستيقاظ. وتتناول بعض المكملات نسخة مصنعة منه بهدف مساعدة الأشخاص على الشعور بالنعاس وتحسين النوم.
ويُعتبر استخدامه لفترة قصيرة آمنا عموما وجيد التحمل لدى كثير من البالغين، باستثناء حالات تستدعي الحذر أو الاستشارة الطبية، مثل الحمل والرضاعة وبعض التداخلات الدوائية.
وتشير المادة المنشورة إلى أن الاستخدام القصير غالبا ما يمتد نحو شهر إلى شهرين، لكن البيانات المتاحة عن تأثير الاستخدام لفترات أطول ما تزال محدودة.
وعلى الرغم من وجود دراسات تشير إلى سلامة الاستخدام طويل الأمد في بعض الظروف، فإن الباحثين يرون أن الأدلة الشاملة لا تزال غير كافية لحسم المسألة.
وقالت نادي إن مكملات الميلاتونين يُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها خيارا طبيعيا وآمنا لتحسين النوم، ولذلك كانت الزيادة المتسقة في بعض النتائج الصحية الخطيرة لافتة للانتباه، حتى بعد ضبط عدد من عوامل الخطر الأخرى في التحليل.
تحرك تنظيمي في السعودية
في أبريل 2026، أصدرت الجهة التنظيمية المعنية بالأدوية في السعودية إشارة سلامة رسمية بشأن احتمال وجود ارتباط بين الميلاتونين وقصور القلب، بعد مراجعة تقارير حالات من أنحاء العالم إلى جانب نتائج الدراسة.
وخلصت المراجعة، بحسب المقال، إلى أن الأدلة المتاحة تشير إلى احتمال وجود علاقة سببية.
ولا يعني إصدار إشارة السلامة حظر الميلاتونين أو إثبات أنه يسبب قصور القلب، بل يشير إلى أن هناك مخاوف تستحق التقييم ومتابعة الأدلة الجديدة.
وتعكس هذه الخطوة أهمية مواصلة دراسة سلامة المكملات الشائعة، خصوصا عندما يستخدمها الأشخاص لفترات طويلة دون متابعة طبية.
هل للميلاتونين آثار جانبية أخرى؟
على الرغم من أن الميلاتونين يعتمد على هرمون ينتجه الجسم بصورة طبيعية، فإن ذلك لا يعني أنه خال من المخاطر.
فقد أثارت حالات تناول جرعات زائدة غير مميتة بين أطفال في أستراليا تساؤلات حول سلامة المكمل لدى بعض الفئات العمرية، ولا سيما عند تناوله بجرعات غير مناسبة أو من دون إشراف بالغين.
كما أن اختلاف الجرعات والمنتجات وطريقة الاستخدام قد يؤثر في الاستجابة للمكمل، ما يجعل الالتزام بالإرشادات الطبية أمرا مهما.
ولا تعني هذه التقارير أن الميلاتونين غير آمن للجميع، لكنها تذكر بأن المنتجات المتاحة دون وصفة طبية يمكن أن تكون لها آثار جانبية، وأن كلمة «طبيعي» لا تعني بالضرورة «خال من المخاطر».
ما الذي ينبغي أن يفعله مستخدمو الميلاتونين؟
لا تكفي نتائج هذا التحليل وحدها لتبرير استنتاج أن الميلاتونين يسبب قصور القلب، ولا ينبغي اعتبارها دليلا قاطعا على ضرورة إيقافه لدى جميع المستخدمين.
لكنها تدعم الحاجة إلى مراجعة الطبيب عند استخدام المكمل لفترات طويلة، خصوصا إذا كان الشخص يعاني من أمراض مزمنة أو يتناول أدوية أخرى أو يحتاج إلى الميلاتونين باستمرار للتعامل مع الأرق.
ومن المهم أيضا البحث عن أسباب اضطرابات النوم المستمرة، بدلا من الاعتماد على المكمل وحده من دون تقييم طبي.
وقال نادي إنه إذا تأكدت النتائج في دراسات لاحقة، فقد تؤثر في الطريقة التي يقدم بها الأطباء المشورة للمرضى بشأن وسائل المساعدة على النوم.
الحاجة إلى تجارب أكثر دقة
عُرضت نتائج التحليل خلال الجلسات العلمية لجمعية القلب الأمريكية في نوفمبر 2025، ولم تكن قد خضعت لمراجعة الأقران وقت نشر التقرير.
ويرى الباحثون أن الخطوة التالية تتمثل في إجراء دراسات مستقبلية مصممة بعناية، مع مجموعات مقارنة واضحة وتقييم مباشر لاستخدام الميلاتونين ومدته وجرعته، بهدف التحقق من وجود علاقة سببية محتملة.
وحتى تتوفر أدلة أقوى، تظل النتائج إشارة أولية تستدعي البحث، وليست إثباتا على أن المكمل يسبب قصور القلب أو الوفاة.
والخلاصة أن الميلاتونين قد يساعد بعض الأشخاص على النوم، لكن سلامة استخدامه لفترات طويلة لا تزال بحاجة إلى دراسة أوسع، ولا سيما في ضوء الارتباطات التي رصدها التحليل مع بعض النتائج القلبية الخطيرة.