‏نقص الحديد أثناء الحمل يترك تغيرات طويلة الأمد في دماغ الجنين

‏علاج نقص الحديد في الدم أثناء الحمل لا يعني تعافي دماغ الجنين ‏( مصدر الصورة:  Pexels ) ‏علاج نقص الحديد في الدم أثناء الحمل لا يعني تعافي دماغ الجنين ‏( مصدر الصورة: Pexels )

‏قد يترك نقص الحديد أثناء الحمل تغيرات طويلة الأمد في الدماغ النامي، حتى بعد عودة مستويات الحديد في الدم إلى المعدلات الطبيعية، وفقا لدراسة جديدة أجراها باحثون في المركز الطبي بجامعة روتشستر الأمريكية.

‏وخلال الأسابيع الأولى من الحمل، تبدأ الخلايا النامية بالفعل في وضع الأسس اللازمة لتكوين الدماغ. ويلعب الحديد دورا مهما في تنظيم الخلايا وتشكيلها خلال هذه المرحلة المبكرة من نمو الجنين.

‏وتشير دراسات وبائية إلى أن انخفاض مستويات الحديد لدى الأم خلال الثلث الأول من الحمل يرتبط بارتفاع احتمال إنجاب طفل يعاني لاحقا صعوبات معرفية أو اضطرابات في النمو العصبي، مثل اضطراب طيف التوحد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه وصعوبات التعلم. لكن هذه الارتباطات لا تثبت وحدها أن نقص الحديد هو السبب المباشر لهذه الحالات.

‏وقالت مارغوت ماير-بروشل، أستاذة علم الوراثة الطبية الحيوية وعلم الأعصاب في كلية الطب وطب الأسنان بجامعة روتشستر، والمؤلفة الرئيسية للدراسة المنشورة في مجلة التغذية (The Journal of Nutrition)، إن الحمل يمثل مرحلة حساسة لنمو الدماغ المعتمد على الحديد، وإن الفحوص السريرية الحالية قد لا تكشف كامل الآثار طويلة الأمد لنقص الحديد قبل الولادة.

نقص الحديد أثناء الحمل ‏( مصدر الصورة: Pexels )

‏واستخدم فريقها نموذجا تجريبيا يعتمد على التغذية لدى الفئران لفهم كيفية تأثير نقص الحديد أثناء الحمل في وظائف دماغ النسل على المدى الطويل.

‏عودة الحديد في الدم لا تعني تعافي الدماغ

‏أطعم الباحثون الفئران أنظمة غذائية تحتوي على كميات كافية من الحديد، أو تعاني نقصا فيه، قبل حدوث الحمل، واستمروا في الأنظمة نفسها طوال فترة الحمل.

‏وبعد الولادة، حصلت جميع الفئران على غذاء يحتوي على كمية كافية من الحديد، بهدف معرفة ما إذا كان تصحيح النقص قادرا على عكس التغيرات الخلوية التي حدثت خلال النمو الجنيني.

‏وأظهرت النتائج أن مستويات الحديد في الدم عادت إلى طبيعتها بعد توفير المكملات الغذائية المناسبة، لكن مستويات الحديد في الدماغ لم تتعاف بالطريقة نفسها.

‏فقد ظلت بعض مناطق الدماغ تعاني نقص الحديد، في حين تراكم الحديد في مناطق أخرى بمستويات تجاوزت المعدلات الطبيعية.

‏وقالت ماير-بروشل إن التأثيرات لم تقتصر على تغير توزيع الحديد داخل أنسجة الدماغ، بل شملت أيضا اختلال توازن عدد من المعادن الأخرى الضرورية للنمو ووظائف الجهاز العصبي.

‏وشملت هذه المعادن الكالسيوم والمغنيسيوم، وهما من المعادن الأساسية التي يحتاج إليها الجسم بكميات أكبر نسبيا، إلى جانب عناصر نادرة ضرورية لوظائفه، مثل المنغنيز والنحاس والزنك.

‏ورصد الباحثون هذه الاختلالات لدى الفئران التي تعرضت لنقص الحديد خلال وجودها في الرحم.

‏لماذا لا تكفي فحوص الدم وحدها؟

‏أتاح استخدام نموذج الفئران للباحثين متابعة التغيرات منذ المراحل المبكرة من الحياة وحتى بداية مرحلة البلوغ.

‏وأظهرت النتائج أن الاختلالات في مستويات المعادن كانت أكثر وضوحا في الدماغ منها في الدم. وهذا يشير إلى أن تحليل الدم خلال فترة الحمل أو بعد الولادة قد لا يكشف جميع التغيرات طويلة الأمد التي تحدث في دماغ النسل.

‏ولا يعني ذلك أن فحوص الدم غير مفيدة، بل إن مستويات الحديد الطبيعية في الدم لا تضمن بالضرورة عودة جميع العمليات البيولوجية في الدماغ إلى وضعها الطبيعي بعد التعرض لنقص الحديد خلال النمو.

‏ويؤكد الباحثون أن هذه النتائج تبرز أهمية دراسة ما يحدث داخل أنسجة الدماغ نفسها، بدلا من الاعتماد على مستويات الحديد في الدم وحدها لتقييم آثار النقص السابق.

‏تغيرات مستمرة في نمو الدماغ والتواصل بين الخلايا العصبية

‏ارتبط اختلال توازن المعادن أيضا بتغيرات مستمرة في شبكات تنظيم الجينات المرتبطة بتطور الدماغ والتواصل بين الخلايا العصبية.

‏وشملت هذه التغيرات عملية تكوين الميالين، وهي المادة التي تشكل غلافا عازلا حول الألياف العصبية، وتساعد الإشارات العصبية على الانتقال بكفاءة بين الخلايا.

‏وعندما يكون الميالين غير مكتمل النمو أو يتعرض للتلف، قد تتأثر سرعة انتقال الإشارات العصبية وكفاءة التواصل بين الخلايا.

‏وتشير النتائج إلى أن نقص الحديد خلال الحمل قد يؤثر في العمليات التي يحتاج إليها الدماغ لتكوين شبكاته العصبية وتنظيم التواصل بين أجزائه.

‏لكن الدراسة أجريت على الفئران، ولذلك لا يمكن افتراض أن جميع التغيرات التي رُصدت لديها تحدث بالطريقة نفسها أو بالدرجة نفسها لدى البشر.

‏تغير نشاط الجينات المرتبطة بالتطور العصبي

‏اكتشف الباحثون أيضا تغيرات في مستويات التعبير الجيني، أي مقدار نشاط الجينات وإنتاجها للجزيئات التي تسهم في أداء وظائف الخلايا.

‏وشملت هذه التغيرات جينات مرتبطة بالنمو العصبي واضطراب طيف التوحد، لكنها اختلفت من منطقة دماغية إلى أخرى.

‏ففي القشرة الدماغية والحصين والمهاد، انخفض نشاط بعض الجينات، بينما ارتفع نشاط جينات في الجزء الخلفي من القشرة الدماغية.

‏وتشير هذه النتائج إلى أن نقص الحديد خلال الحمل لا يؤثر بالضرورة في الدماغ كله بطريقة موحدة، بل قد تكون له تأثيرات مختلفة تبعا للمنطقة الدماغية والوظائف التي تؤديها.

‏ومع ذلك، فإن تغير نشاط الجينات المرتبطة بالتوحد لا يعني أن نقص الحديد يؤدي حتما إلى الإصابة بالتوحد، ولا تثبت الدراسة وجود علاقة سببية مباشرة بين النقص وهذه الاضطرابات لدى البشر.

‏منطقة دماغية حساسة لمعالجة المعلومات الحسية

‏سجل الباحثون بعضا من أكبر التغيرات في التعبير الجيني في الأكيمة العلوية، وهي منطقة في الدماغ تشارك في معالجة المعلومات الحسية وتوجيه الانتباه.

‏وقالت ماير-بروشل إن هذه المنطقة برزت بوصفها إحدى المناطق الأكثر عرضة للتأثر بنقص الحديد خلال الحمل.

‏وتكتسب هذه النتيجة أهمية لأن معالجة المعلومات الحسية وتوجيه الانتباه من الوظائف التي تعتمد على التنسيق بين مناطق متعددة في الدماغ.

‏لكن تحديد مدى تأثير هذه التغيرات في السلوك أو القدرات المعرفية يحتاج إلى أبحاث إضافية، ولا سيما دراسات بشرية تستطيع تقييم العلاقة بين حالة الحديد أثناء الحمل والتطور العصبي للأطفال على مدى سنوات.

‏الحاجة إلى مؤشرات حيوية خاصة بالدماغ

‏ترى الباحثة أن النتائج تؤكد الحاجة إلى تطوير مؤشرات حيوية أكثر دقة تساعد على اكتشاف التأثيرات التي يتركها نقص الحديد خلال الحمل في الدماغ النامي، بما قد يتيح التدخل في وقت مبكر.

‏فعودة مستويات الحديد في الدم إلى طبيعتها لا تعني بالضرورة تعافي الدماغ بالكامل، وفقا لما أظهره النموذج التجريبي.

‏وقد تساعد الأبحاث المستقبلية في تحديد ما إذا كانت هناك طرق موثوقة لتقييم هذه التغيرات لدى البشر، وما إذا كان التدخل الغذائي في مراحل معينة قادرا على منعها أو تقليلها.

‏ومع ذلك، لا تقدم الدراسة الحالية دليلا على وجود اختبار سريري معتمد يكشف هذه التغيرات الدماغية لدى الأطفال، كما لا تثبت أن آثار نقص الحديد لا يمكن عكسها لدى البشر.

‏ما أهمية النتائج للحوامل؟

‏يساعد الحديد الجسم على أداء وظائف أساسية، من بينها إنتاج الهيموغلوبين الذي ينقل الأكسجين في الدم، كما يؤدي دورا مهما في نمو الجنين وتطور الجهاز العصبي.

‏وتدعم الدراسة أهمية الاهتمام بتغذية الأم ومتابعة نقص الحديد خلال الحمل، لكنها لا تعني أن كل امرأة تعاني انخفاضا في الحديد ستنجب طفلا يعاني اضطرابا في النمو العصبي.

‏كما أن النتائج لا تبرر تناول جرعات مرتفعة من الحديد دون استشارة طبية؛ إذ ينبغي تحديد الحاجة إلى المكملات والجرعات المناسبة وفقا للتقييم الطبي.

‏وبوجه عام، تقدم الدراسة أدلة تجريبية على أن نقص الحديد خلال مرحلة الحمل قد يرتبط بتغيرات أوسع وأكثر استمرارا في دماغ النسل مما يمكن أن تكشفه فحوص الدم وحدها. إلا أن تأكيد هذه النتائج لدى البشر، وتحديد آثارها الفعلية في التعلم والسلوك والتطور العصبي، يتطلب مزيدا من الأبحاث.