غياب المجال المغناطيسي للأرض يثير التوتر لدى الفئران الخلدية

لماذا تتوتر الفئران الخلدية عندما يختفي المجال المغناطيسي للأرض؟ ‏( مصدر الصور: Wikimedia ) لماذا تتوتر الفئران الخلدية عندما يختفي المجال المغناطيسي للأرض؟ ‏( مصدر الصور: Wikimedia )

‏يبدو أن الفئران الخلدية الأنصليّة (Fukomys anselli)، وهي حيوانات صغيرة تعيش تحت الأرض ، تمتلك قدرة مميزة على استشعار المجالات المغناطيسية. فقد أظهرت دراسة جديدة أن هذه الحيوانات تبدي علامات على التوتر عندما يختفي المجال المغناطيسي للأرض أو تقترب شدته من الصفر.

‏ويُعد هذا الحيوان الاجتماعي، المعروف بجسمه الممتلئ وفرائه القصير، من الكائنات المثيرة للاهتمام في عالم التطور. ويعيش تحت الأرض، حيث يعتمد على أنفاق يحفرها بنفسه، وقد تمتد هذه الأنفاق لمسافات تصل إلى عدة كيلومترات.

‏ويبدو أن الفئران الخلدية الأنصليّة تستخدم عينيها ضعيفتي البصر لاستشعار المجالات المغناطيسية والمساعدة في التنقل داخل هذه الأنفاق. وتشير المعلومات المتاحة إلى أن أنفاقها تُعد من أطول الأنفاق التي تبنيها الثدييات، باستثناء البشر.

‏وتكشف الأبحاث الجديدة أن هذه الحيوانات شديدة الحساسية للمجال المغناطيسي، إلى درجة أن غيابه شبه الكامل قد يؤدي إلى استجابة عصبية تشبه استجابة التوتر.

‏كيف درس العلماء استجابة الدماغ للمجال المغناطيسي؟

‏الفئران الخلدية تتأثر بغياب المجال المغناطيسي ‏( مصدر الصور: Wikimedia )

‏لا تزال الآلية التي تستشعر بها هذه الحيوانات المجالات المغناطيسية غير مفهومة بالكامل. ولذلك، استخدم فريق بقيادة اختصاصيين في علم الأعصاب من معهد ماكس بلانك لبيولوجيا السلوك العصبي طريقة جديدة لرسم خرائط لأدمغة الفئران الخلدية، بهدف معرفة كيفية استجابة الخلايا العصبية للتغيرات في المجال المغناطيسي.

‏وأوضح الباحثون، في دراسة أولية نُشرت على منصة bioRxiv، أنهم أظهروا، بحسب معرفتهم، للمرة الأولى أن أحد الثدييات يبدي سلوكا نشطا لتجنب غياب المجال المغناطيسي.

‏وقد ركزت معظم الدراسات المتعلقة بالملاحة المغناطيسية على الطيور المهاجرة، التي تقطع مسافات شاسعة فوق اليابسة والبحار. ومع ذلك، تشير الأدلة إلى أن بعض الثدييات تمتلك أيضا قدرات مرتبطة باستشعار المجال المغناطيسي.

‏ومن المثير للاهتمام أن أبحاثا سابقة أجراها باحثون في معهد ماكس بلانك أشارت إلى وجود جزيء في عيون الكلاب وبعض الرئيسيات يبدو أنه يستجيب للمجالات المغناطيسية عند تحفيزه بالضوء، على غرار ما لوحظ لدى الطيور.

‏لكن الباحثين أشاروا إلى أن الدراسات المتعلقة بمناطق الدماغ المسؤولة عن الاستشعار المغناطيسي لدى الثدييات ظلت محدودة، مع تركيزها على نوع واحد هو الفأر الخلدي الأنصليّ الذي يعيش تحت الأرض.

‏العينان قد تؤديان دورا في الاستشعار المغناطيسي

‏وجدت أبحاث سابقة نتيجة لافتة، إذ أدى تخدير سطح عيون هذه الحيوانات باستخدام مخدر موضعي إلى فقدان قدرتها على بناء أعشاشها في الاتجاه المفضل لها وفقا للبوصلة، من دون أن يفقدها ذلك قدرتها المحدودة على استشعار الضوء.

‏ولفحص هذه العلاقة بصورة أكثر دقة، طوّر الباحثون طريقة تصوير تعتمد على معالجة كيميائية تجعل أنسجة الدماغ شفافة، ما يسمح بإنشاء خريطة ثلاثية الأبعاد للدماغ، تُعرف باسم أطلس الدماغ.

‏وللتحقق من دقة هذه الخريطة، حقن الفريق مادة فلورية متتبعة في عيون فئران خلدية حية. وتتيح هذه المادة تحديد المسارات العصبية والروابط البنيوية الممتدة عبر المسار الذي ينقل المعلومات البصرية إلى الدماغ، ثم مقارنة هذه البيانات بأطلس الدماغ الذي أنشأه الباحثون.

‏وبهذه الطريقة، تمكن الفريق من التحقق من مدى دقة الخريطة ثلاثية الأبعاد في تمثيل الاتصالات العصبية المرتبطة بالعينين والدماغ.

‏ماذا حدث عندما اقترب المجال المغناطيسي من الصفر؟

‏في التجربة، عرّض الباحثون الفئران الخلدية لنوعين من الظروف المغناطيسية:

‏مجال مغناطيسي متغير: تغير اتجاه المجال المغناطيسي، أو تغير اتجاهه وشدته معا.

‏مجال مغناطيسي ضعيف للغاية: بلغت شدته نحو 2% فقط من شدة المجال المغناطيسي للأرض في ألمانيا، حيث أُجريت التجارب.

‏وكان المجال المغناطيسي المتغير يتبدل كل 30 ثانية، إما من حيث الاتجاه فقط، أو من حيث الاتجاه والشدة معا. وتراوحت شدته بين 20 و70 ضعفا من شدة المجال شبه المنعدم المستخدم في التجربة.

‏وجاءت النتيجة الأكثر إثارة للاهتمام عندما تعرضت الحيوانات للمجال المغناطيسي الضعيف للغاية. فقد سجل الباحثون أقوى استجابة دماغية وأكثرها انتشارا في هذه الحالة، ما يعني أن غياب المؤثر المعتاد كان أكثر تأثيرا من وجود مجال مغناطيسي متغير.

‏نشاط دماغي مرتبط بالتوتر والخوف

‏أظهرت الفئران الخلدية التي تعرضت للمجال المغناطيسي شبه المنعدم ارتفاعا في النشاط الدماغي داخل مناطق مرتبطة بالتوتر والقلق والخوف.

‏وشمل ذلك اللوزة الدماغية، وهي منطقة تقع في عمق الدماغ وتؤدي دورا في معالجة المشاعر والاستجابات المرتبطة بالخوف، كما ترتبط بعمليات اتخاذ القرار.

‏وكان الباحثون يتوقعون أن يؤدي الغياب شبه الكامل للمجال المغناطيسي إلى حالة محايدة، تشبه حالة شخص ينظر إلى خريطة طريق ولا يعرف الاتجاه الذي ينبغي أن يسلكه.

‏لكن النتائج أظهرت بدلا من ذلك نمطا من النشاط الدماغي يشبه الاستجابة للتوتر.

‏وكتب الباحثون أنهم افترضوا، استنادا إلى أنماط التنشيط العصبي التي تشير إلى حالة شبيهة بالتوتر بعد التعرض للمجال المغناطيسي الضعيف للغاية، أن الفئران الخلدية تنظر إلى غياب المجال المغناطيسي باعتباره حالة منفرة، ولذلك تحاول تجنبها بصورة نشطة.

‏وقد ظهرت نتائج مماثلة في تجربة ثانية.

‏الفئران الخلدية تتجنب مناطق المجال المغناطيسي الضعيف

‏في التجربة الثانية، وضع الباحثون الفئران الخلدية داخل مسار مستقيم، وأنشأوا منطقة شاذة مغناطيسيا من خلال تغيير شدة المجال بحسب موقع الحيوان.

‏وأظهرت النتائج أن الحيوانات أمضت وقتا أقل بكثير بالقرب من جسم وُضع داخل المنطقة التي اقترب فيها المجال المغناطيسي من الصفر.

‏في المقابل، لم يؤد مضاعفة شدة المجال المغناطيسي إلى التأثير نفسه.

‏وتدعم هذه النتيجة فرضية أن الفئران الخلدية لا تكتفي باستشعار المجال المغناطيسي، بل قد تتعامل مع غيابه شبه الكامل باعتباره حالة غير مرغوبة، وتغير سلوكها لتجنبها.

‏كيف تستشعر الفئران الخلدية المجال المغناطيسي؟

‏على الرغم من النتائج الجديدة، لا تزال الآلية الدقيقة التي تستخدمها الفئران الخلدية لاستشعار المجالات المغناطيسية موضع تساؤل.

‏بل إن الصورة أصبحت أكثر تعقيدا بعد نشر دراسة حديثة في مجلة iScience، لم تجد أدلة على وجود مستقبلات مغناطيسية طبيعية تعتمد على معدن المغنتيت في عيون الفئران الخلدية، وهي مستقبلات كان يُعتقد أنها تعمل مثل البوصلات المغناطيسية الصغيرة.

‏والمغنتيت معدن يمتلك خصائص مغناطيسية، وقد طُرح سابقا باعتباره أحد المكونات المحتملة للآليات التي تستخدمها بعض الكائنات الحية لاستشعار المجال المغناطيسي.

‏كما تشير الدراسة الجديدة إلى أن الاستجابة للمجال المغناطيسي ترتبط بشبكة واسعة من مناطق الدماغ والدوائر العصبية، بدلا من اعتمادها على مركز عصبي واحد يعمل مثل مغناطيس الثلاجة.

‏وهذا يعني أن فهم هذه القدرة قد يتطلب دراسة التفاعلات بين عدة مناطق دماغية، بدلا من البحث عن مستقبل واحد أو منطقة محددة مسؤولة عنها.

‏طريقة جديدة لدراسة الاستشعار المغناطيسي لدى الحيوانات

‏قد توفر طريقة التصوير الجديدة التي طورها الفريق إطارا بحثيا لدراسة الاستشعار المغناطيسي لدى الفئران الخلدية وغيرها من الحيوانات.

‏كما تلفت الدراسة الانتباه إلى نقطة مهمة في تصميم التجارب العلمية، وهي أن استخدام مجالات مغناطيسية شبه منعدمة بوصفها حالة ضابطة قد لا يكون مناسبا دائما، خصوصا عند دراسة الفئران الخلدية، لأن هذه الظروف قد تسبب لها التوتر وتغير سلوكها الطبيعي.

‏وكتب الباحثون في خلاصة دراستهم أنهم قدموا أدلة تشير إلى أن الفئران الخلدية تستشعر غياب المجال المغناطيسي للأرض.

‏وأضافوا أن إزالة هذا المؤثر البيئي المستمر، والمتمثل في المجال المغناطيسي للأرض، تنشط دوائر عصبية مرتبطة بالتوتر، وتؤدي إلى سلوك نشط لتجنب الحالة الناتجة عن غيابه.

‏وخلص الفريق إلى أن المجال المغناطيسي للأرض يمثل مؤثرا حسيا ذا أهمية بيولوجية لدى الثدييات.

‏هل كان البشر قادرين على استخدام المجال المغناطيسي للملاحة؟

‏تثير هذه النتائج تساؤلا مثيرا للاهتمام: لو سلك التطور مسارا مختلفا، فهل كان من الممكن أن تتطور بقايا المستقبلات المغناطيسية التي يُعتقد أنها موجودة في عيون الرئيسيات، بما يسمح للبشر باستخدام المجال المغناطيسي للأرض في تحديد الاتجاهات؟

‏لا تزال هذه الفكرة افتراضية، ولا تقدم الدراسة دليلا على أن البشر يستطيعون استخدام المجال المغناطيسي بهذه الطريقة. لكنها تفتح المجال أمام مزيد من الأسئلة حول كيفية تطور الحواس لدى الثدييات، ومدى اختلاف قدراتها على إدراك البيئة المحيطة.

‏ولم تخضع الدراسة بعد لمراجعة الأقران، وهي العملية التي يقيّم فيها خبراء مستقلون البحث قبل نشره في مجلة علمية محكمة. ومع ذلك، تتوفر نسخة أولية منها على منصة bioRxiv.