تمكن فريق دولي من الباحثين، بمشاركة متخصصين روس، من وصف الآلية الجينية التي تتحكم في تكوين ملامح الوجه لدى الجنين بالتفصيل، خلال الفترة الممتدة من الأسبوع السادس إلى الأسبوع الحادي عشر من نموه.
واستنادا إلى هذه النتائج، أعد العلماء أطلسا يوضح الأنواع المختلفة من الخلايا والعناصر التنظيمية التي تسهم في تحديد السمات الفريدة لوجه كل إنسان.
ولا تقتصر أهمية هذا العمل على توسيع المعرفة الأساسية بكيفية تطور الوجه، بل قد تمتد إلى تحسين تشخيص التشوهات الخلقية في الجمجمة والوجه، والمساعدة على إنتاج أنسجة يمكن الاستفادة منها في الطب التجديدي.
كيف تتشكل ملامح الوجه خلال نمو الجنين؟
تكوين ملامح الوجه ( مصدر الصور: Freepik )
كتب الباحثون في دراسة نشرت في مجلة Nature Genetics أن التنوع الجيني لدى البشر يؤدي إلى اختلاف كبير في أشكال الوجوه، في حين تعد التشوهات القحفية الوجهية من بين العيوب الخلقية الأكثر شيوعا.
وأوضحوا أن تحديد الآليات الخلوية التي تتحكم من خلالها الجينات في اختلاف ملامح الوجه ظل تحديا علميا معقدا، ولذلك عمل الفريق على إنشاء أطلس متعدد الأنماط لوجه الجنين خلال الأسابيع السادس إلى الحادي عشر من النمو.
وأظهرت الدراسة أن الأساس الأولي لبنية الوجه يتشكل في المراحل المبكرة جدا من نمو الجنين، من خلال عمل مجموعة من الجينات التي تحدد المناطق المختلفة للوجه، مثل الأنف ومحجر العين ومنطقة الأسنان والفك السفلي.
وتؤدي هذه الجينات دورا يشبه وضع علامات على خريطة الوجه، إذ تساعد على تحديد المواضع التي ستتطور فيها الأجزاء المختلفة.
لكن الملامح الفردية لا تتحدد من خلال الجينات وحدها، بل تسهم فيها أيضا عناصر تنظيمية تعمل مثل مفاتيح جزيئية، فتشغل جينات معينة في الوقت المناسب وداخل أنواع محددة من الخلايا.
أطلس جيني يساعد على فهم التشوهات الخلقية
يتيح الأطلس الجديد للباحثين دراسة العلاقة بين أنواع الخلايا المختلفة والعناصر التنظيمية التي تتحكم في نشاط الجينات أثناء تكوين الوجه.
وقد يساعد هذا المورد الأطباء على تفسير المتغيرات الجينية التي يُكتشف وجودها لدى المرضى المصابين بتشوهات في الوجه، رغم أن وظيفة هذه المتغيرات لا تزال غير معروفة بالكامل.
ومن خلال مقارنة هذه المتغيرات ببيانات الأطلس، يمكن للمتخصصين تحديد أنواع الخلايا التي تؤثر فيها، والمرحلة الزمنية من نمو الجنين التي قد تنشط خلالها.
وقد يسهم ذلك مستقبلا في تحسين فهم أسباب بعض العيوب الخلقية، وتطوير أساليب أكثر دقة لتشخيصها ودراسة آليات نشوئها.
ما أهمية الاكتشاف للطب التجديدي؟
إلى جانب دوره في تفسير التنوع الطبيعي لملامح الوجه، قد تساعد النتائج في تحديد كيفية تطور الأنسجة القحفية الوجهية، ما يوفر معلومات يمكن الاستفادة منها في الأبحاث المتعلقة بإصلاح الأنسجة وتجديدها.
ومع ذلك، فإن إنشاء الأطلس يمثل خطوة بحثية أساسية، وليس علاجا جاهزا للتشوهات الخلقية. وسيحتاج العلماء إلى إجراء دراسات إضافية لتحديد كيفية تحويل هذه المعلومات الجينية والخلوية إلى تطبيقات طبية عملية.
ويمنح هذا العمل الباحثين أداة جديدة لفهم الكيفية التي تتفاعل بها الجينات والخلايا خلال مرحلة مبكرة وحاسمة من التطور البشري، وقد يساعد مستقبلا على تفسير أسباب اختلاف ملامح الوجه بين الأفراد، وكذلك أسباب ظهور بعض التشوهات الخلقية.