‏النحل يستطيع التمييز بين الأعداد وتقدير الكميات وربط الرموز بها رغم صغر دماغه

‏هل يستطيع النحل التمييز بين أعداد الأزهار على غصن؟ ‏( مصدر الصورة: Unsplash ) ‏هل يستطيع النحل التمييز بين أعداد الأزهار على غصن؟ ‏( مصدر الصورة: Unsplash )

‏قد يبدو من المبالغة القول إن نحلة تمتلك دماغا لا يتجاوز حجمه نحو مليمتر مكعب تستطيع التمييز بين أعداد الأزهار على غصن. لكن خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، اختبر العلماء هذه القدرة في عشرات التجارب.

‏ولم يكن السؤال الأساسي هو ما إذا كان النحل يستطيع التمييز بين شيئين وثلاثة أشياء، بل ما إذا كان يدرك الفرق العددي فعلا، أم أنه يستجيب للاختلافات البصرية بين الصور والأشكال.

‏وتشير نتائج الأبحاث إلى أن النحل يستطيع التمييز بين الكميات العددية في نطاق محدود، رغم أنه لا يعد الأشياء بالطريقة البشرية التي تعتمد على تسمية الأعداد واحدا تلو الآخر.

‏ماذا يعني إدراك الأعداد لدى الحيوانات؟

ذكاء النحل ‏( مصدر الصورة: Unsplash )

‏يقصد بإدراك الكمية قدرة الكائن الحي على تقدير عدد الأشياء من دون الحاجة إلى عد كل عنصر على حدة.

‏فعندما يرى الإنسان صورة تحتوي على ثلاث نقاط لمدة وجيزة، يستطيع غالبا معرفة عددها على الفور. لكن الأمر يصبح أصعب عندما يرتفع العدد إلى خمس نقاط أو أكثر. وتعرف هذه القدرة باسم «التعرف الفوري على العدد»، وهي تعمل عادة مع الأعداد الصغيرة، من واحد إلى أربعة.

‏لكن إثبات هذه القدرة لدى الحيوانات ليس أمرا سهلا. فعندما تختار نحلة بطاقة تحتوي على دائرتين بدلا من بطاقة تضم ثلاث دوائر، قد تكون قد استجابت للعدد نفسه، لكنها قد تعتمد أيضا على المساحة الإجمالية للأشكال أو طول حدودها أو طريقة توزيعها داخل الصورة.

‏ولهذا، شكك بعض الباحثين في أن يكون النحل قادرا على إدراك الأعداد فعلا، ورأوا أنه ربما يستجيب لإشارات بصرية أخرى لا للكمية العددية نفسها.

‏أولى الأدلة: النحل يميز بين اثنين وثلاثة

‏في عام 2009، نشر فريق من الباحثين بقيادة هانز غروس دراسة في مجلة PLoS One العلمية، استخدموا فيها متاهة على شكل حرف Y لاختبار قدرة النحل على التمييز بين الكميات.

‏عرض الباحثون على النحل بطاقتين، تحتوي إحداهما على عنصرين والأخرى على ثلاثة عناصر. ودربوا مجموعة من النحل على اختيار البطاقة التي تضم العدد الأكبر مقابل الحصول على شراب السكر، بينما دربوا مجموعة أخرى على اختيار البطاقة التي تضم العدد الأصغر.

‏وبعد عشرات المحاولات، تعلم النحل القاعدة المطلوبة.

‏لكن الاكتشاف الأهم ظهر عندما عرض الباحثون بطاقات تضم ثلاثة عناصر وأربع عناصر. فقد استطاع النحل التمييز بينها من دون تدريب إضافي على هذه المقارنة تحديدا.

‏ويعني ذلك أن النحل لم يتعلم فقط اختيار بطاقة مألوفة، بل استطاع تطبيق قاعدة «الأكبر» على عدد جديد لم يتدرب عليه مباشرة.

‏كما اختبر الباحثون ما إذا كان النحل يعتمد على اللون أو المساحة أو طول حدود الأشكال، وخلصوا إلى أن هذه العوامل لا تفسر النتائج وحدها. واعتبرت الدراسة دليلا مبكرا على قدرة حيوان لافقاري على تعميم المعلومات العددية.

‏ومع ذلك، كشفت التجارب عن حدود واضحة لهذه القدرة؛ فالنحل الذي تدرب على التمييز بين اثنين وثلاثة لم يتمكن من التمييز بالنجاح نفسه بين أربعة وخمسة أو بين خمسة وستة.

‏هل يستطيع النحل ربط الرموز بالأعداد؟

‏في عام 2019، انتقل باحثون من جامعة آر إم آي تي الأسترالية إلى اختبار أكثر تعقيدا، إذ دربوا النحل على ربط رموز مبتكرة بأعداد معينة.

‏فعندما عرض الباحثون بطاقة تضم ثلاثة أشكال، كان على النحلة اختيار الرمز الذي يمثل العدد ثلاثة.

‏وبلغت دقة النحل خلال التدريب نحو 75 إلى 80 في المئة. أما في الاختبارات اللاحقة، فتراجعت الدقة إلى نحو 60 إلى 65 في المئة، لكنها بقيت أعلى من المستوى المتوقع عند الاختيار العشوائي.

‏وأثارت هذه النتائج نقاشا علميا جديدا. ففي عام 2020، اعترض باحثون على تفسير التجربة باعتبارها دليلا على إدراك الأعداد، واقترحوا أن النحل ربما تعلم مطابقة الأنماط البصرية بدلا من فهم الكمية العددية.

‏واستند الاعتراض إلى طبيعة الرؤية لدى النحل، التي تختلف عن رؤية الإنسان ولا تتيح له تمييز جميع التفاصيل الدقيقة. ولذلك، قد يستجيب النحل لما يعرف بالتردد المكاني، أي نمط توزع العناصر وكثافتها في الصورة، بدلا من العدد نفسه.

‏وكان هذا الاعتراض مهما لأنه طرح تفسيرا بديلا للنتائج التي بدت وكأنها تثبت قدرة النحل على التعامل مع الرموز العددية.

‏دراسة عام 2026 تعيد اختبار الفرضية من منظور النحل

‏في عام 2026، أعاد فريق من الباحثين في جامعة ترينتو وجامعة موناش تحليل بيانات التجارب السابقة، مع مراعاة الطريقة التي ترى بها النحلة العالم من حولها.

‏ولأن عيون النحل المركبة لا تميز الترددات المكانية العالية بالطريقة نفسها التي تستطيع بها العين البشرية تمييزها، عمد الباحثون إلى تصفية المحفزات البصرية والإبقاء على الترددات التي تستطيع النحلة إدراكها فعليا.

‏وعندما استبعد الباحثون التفاصيل التي لا تستطيع النحلة رؤيتها، اختفت العلاقة بين التردد المكاني والعدد، بينما بقيت استجابة النحل للكمية العددية نفسها.

‏وبحسب ما أورده تقرير «ناوكا ميل»، قدم هذا التحليل إجابة عن الاعتراض المتعلق بالأنماط البصرية، وعزز الاستنتاج القائل إن النحل يستطيع بالفعل التمييز بين الكميات، وليس مجرد مطابقة الأشكال المتشابهة.

‏ما الأعداد التي يستطيع النحل تمييزها؟

‏تشير النتائج التي يستعرضها التقرير إلى أن النحل يستطيع التمييز بين أعداد تصل إلى ستة، كما أظهرت التجارب قدرته على التعامل مع مفهوم الصفر باعتباره غيابا للعناصر.

‏ويمكنه كذلك ربط بعض الرموز بكميات معينة، مع وجود حدود لهذه القدرة؛ إذ لا يعمل الربط بالضرورة بالاتجاهين، أي إن تعلم اختيار رمز لكمية ما لا يعني بالضرورة القدرة على الانتقال من العدد إلى الرمز بالطريقة نفسها.

‏وأشارت تجارب أخرى إلى أن النحل يستطيع ترتيب الأعداد مكانيا، بحيث ترتبط الكميات الأصغر بالجهة اليسرى والكميات الأكبر بالجهة اليمنى، في نمط يشبه ما لوحظ لدى البشر.

‏لكن ذلك لا يعني أن النحل يعد بالطريقة البشرية. فهو لا يستخدم كلمات للأعداد، ولا يستطيع بالضرورة عد العناصر واحدا تلو الآخر كما يفعل الإنسان عندما يقول «واحد، اثنان، ثلاثة».

‏والأدق أن هذه القدرة تعتمد على التقدير السريع للكميات والتمييز بينها، وليس على نظام عد لغوي مماثل للنظام البشري.

‏لماذا يعد هذا الاكتشاف مهما؟

‏انفصل المسار التطوري للحشرات والثدييات قبل نحو 500 مليون سنة، وفقا للتقدير الوارد في التقرير. وإذا كانت مجموعات حيوانية متباعدة تطوريا، مثل النحل والثدييات، قادرة على تقدير الكميات، فقد يشير ذلك إلى أن هذه القدرة تطورت بصورة مستقلة في فروع مختلفة من شجرة الحياة.

‏ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة لأن دماغ النحل صغير للغاية، ومع ذلك يستطيع معالجة معلومات عددية تساعده على التمييز بين الخيارات المتاحة أمامه.

‏ولا يعني ذلك أن النحل أذكى من الإنسان، بل يشير إلى أن القدرة على إدراك الكميات قد تكون أقدم وأكثر انتشارا في المملكة الحيوانية مما كان يعتقد سابقا.

‏كما تؤكد هذه النتائج أهمية دراسة العالم من منظور الحيوان نفسه قبل الحكم على قدراته؛ فاختلاف بنية الدماغ والحواس لا يعني بالضرورة غياب قدرات معرفية معقدة، بل قد يعني أن الكائن يستخدم آليات مختلفة للوصول إلى نتائج متشابهة.