كيف يسبب تناول الملح الخرف لدى الإنسان؟ وماهي أضرار تناوله بكميات كبيرة ؟

أشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة Nature في 23 أكتوبر إلى أن اتباع نظام غذائي الغني بالملح يقلل من مستويات أكسيد النيتريك، والذي بدوره يغير بروتين تاو داخل الخلايا العصبية، مما يسبب في انخفاض قدرة المعالجة الإدراكية في الدماغ ويسبب الخرف.

وأظهرت الدراسة التي أجريت على الفئران في جامعة وايل كورنيل للطب أن التحكم في كمية الملح الذي نتناوله مهمٌ جداً في الوقاية من الخرف.

وتعتبر هذه الدراسة فريدةً من نوعها، حيث أنها توضح أن الملح الزائد في الجسم يؤدي في الواقع إلى انخفاض في وظائف الدماغ الإدراكية، فضلاً عن إظهار كيفية تأثير ما نأكله على طريقة تفكيرنا وكيف يعمل عقلنا.

بحث سابق

أظهرت دراسة سابقة أجراها الباحثان جوزيبي فاراكو وكوستانتينو إديكولا، والتي نُشرت في مجلة Nature Neuroscience في عام 2018، أن الفئران أصيبت بالخرف عند تناولها نظام غذائي غني بالأملاح.

وأصبحت الفئران غير قادرة على القيام بمهام بناء الأعشاش الطبيعية وكذلك اجتياز اختبارات الذاكرة النموذجية التي تم تجربتها عليها في المختبرات.

واكتشف العلماء الآلية الأساسية لحدوث ذلك، وعزز الملح الزائد إطلاق مادة إنترلوكين الكيميائية المسببة للالتهابات السابعة عشر (IL-17) في الخلايا الموجودة في الأمعاء الدقيقة، وهذه المادة الكيميائية يتم إيصالها إلى الدماغ حيث تمنع انتاج أكسيد النيتريك فيه عن طريق الخلايا البطانية.

ويعد أكسيد النيتريك، هو مادة كيميائية مهمة لصحة الأوعية الدموية في كل أنحاء الجسم، حيث أن هذه المادة تسمى بموسع الأوعية، لأنها المسؤولة عن اتساع الأوعية الدموية ومرونتها، وبالتالي تزيد من تدفق الدم إلى العضو المزوّد بهذه الشرايين، ومن الواضح أن نقص أكسيد النيتريك يمكن أن يسبب انخفاض تدفق الدم بشكل حاد إلى تلك الأعضاء بما فيها الدماغ دون شك.

كما توصل العلماء إلى فرضية مفادها أن الخرف المرتبط بالنظام الغذائي الغني بالأملاح في الفئران كان بسبب انخفاض انتاج أكسيد النيتريك في الأوعية الدموية الواصلة إلى الدماغ، مما قلل من تدفق الدم إلى المخ، وحرمانه من المواد الغذائية الأساسية والأكسجين.

وقاد العلماء استمرار التجربة إلى استنتاج أن هذه النظرية لم تكن كافيةً لشرح النتائج، لأن التقييد في تدفق الدم لم يكن ملحوظاً بشكل كافٍ للتسبب في خسارة كبيرة في وظائف المخ، وعلى حد تعبير إديكولا: "اعتقدنا أنه ربما كان هناك شيء آخر يحدث هنا".

أكسيد النيتريك وبروتين تاو

وأشارت الدراسة الجديدة إلى نتائج الدراسة السابقة، وما وجدوه هو أن انخفاض إنتاج أكسيد النيتريك في الأوعية الدموية يؤثر على استقرار بروتينات تاو داخل الخلايا العصبية في الدماغ، حيث ترتبط هذه البروتينات بخرف الزهايمر عندما تترسب بشكل غير طبيعي.

ومع ذلك، فإن لها دوراً مهماً في خلايا الدماغ الطبيعية، فهي مرتبطةٌ بنظام الأنابيب الدقيقة، وبالتالي فهي تعمل كدعم ميكانيكي للخلية، أو الهيكل الخلوي، وبالتالي فإن بنية بروتين تاو بمثابة نظام لتهريب المواد في جميع أنحاء الخلية، كما تكمن أهميته في تحقيق وظائف الخلية المختلفة والحفاظ على صحة الخلايا العصبية في جسم الانسان.

وعندما يتم انتاج بروتين تاو بشكل مفرط، كما يحدث مع مستويات منخفضة للغاية من أكسيد النيتريك، يصبح غير مستقر ويتم إزالته من الهيكل الخلوي بشكل تلقائي، حيث يسبب بروتين تاو الحر مشاكلاً داخل العصبونات، لأنه يتراكم ويؤدي للتداخل مع الأداء العصبي.

وتعد المستويات الطبيعية لأكسيد النيتريك ضروريةً لمنع التراكم غير الطبيعي لبروتين تاو الحر داخل الخلايا العصبية.

 يقول إديكولا: "إنه يكبح النشاط الناجم عن سلسلة من الإنزيمات التي تؤدي إلى أمراض تراكم بروتين تاو".

كانت الخطوة التالية هي وضع مجموعة أخرى من الفئران على نظام غذائي غني بالملح، مما يؤدي إلى ضعف تدفق الدم في المخ، ومع ذلك، وضعت هذه الفئران ثم أعطيت بعض الأجسام المضادة لمكافحة تراكم بروتين تاو.

وكان التأثير مرضياً إلى حدٍ ما، فعلى الرغم من الدورة الدموية المسددة، أظهرت هذه الفئران وظيفة معرفية طبيعية.

كما لم يلاحظ ضعف الإدراك لدى الفئران التي فقدت القدرة على إنتاج بروتين تاو، وكان الاستنتاج الذي توصل إليه العلماء هو أن السبب وراء الخرف في هذه الفئران لم يكن في الحقيقة تدفق الدم الضعيف بل زيادة بروتين تاو.

الخلاصة:

تكمن الأهمية الحقيقية للدراسة في تعزيز معرفة الأهمية الهائلة لصحة الأوعية الدموية لعمل الدماغ بشكل سليم وأداء وظائفه بشكل كامل، وهذا ليس فقط من خلال توفير الأكسجين والمواد المغذية، ولكن أيضاً من خلال الترويج لعدد من تفاعلات الخلايا الحيوية التي تبقي الخلايا العصبية وظيفية وصحية.

وأكد الباحثون أن هذه الدراسة تظهر أيضاً أهمية الحفاظ على كبح جماح استهلاك المأكولات ذات الملوحة المرتفعة للحفاظ على الوظيفة العصبية الجيدة لفترة أطول دون التعرض لانتكاسات في الوظائف العقلية التي قد تدمر حياتنا العملية أو الدراسية في حال حصولها.

وكان تعليق إديكولا النهائي: " إن الأشياء السيئة التي تضرنا بشكل مباشر لا تأتي من المملحة، إنها تأتي من الأطعمة المصنعة وأطعمة المطاعم الجاهزة، والوجبات السريعة عالية السعرات والأملاح والدهون، لذلك يتعين علينا الحفاظ على نسبة معتدلة من الأطعمة المالحة في نظامنا الغذائي، والإفراط في تناول الموالح يمكن أن يؤثر بالسلب على الأوعية الدموية في الدماغ، وسيفعل ذلك بطريقة سيئة للغاية".