"الإمارات" في لبنان.. أهلاً بِعَصر "ابن زايد"

يمكن القول، أنّ اختطاف الرئيس سعد الحريري في فندق الريتز بالرياض في 4 تشرين ثاني / 2017، وما تبعه من تداعيات، حَجَزَ المقعد الأول للإماراتيين في المسرح اللبناني، المؤامرة التي دبرتها "مملكة الخير" برئاسة وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج، ​ثامر السبهان، كانت الحجر الذي أُلقي في مياه العلاقات اللبنانية - الإماراتية الراكدة، أو بتشخيص أدق، علاقة الرئيس سعد الحريري، بـ محمد بن زايد، التي شابها على مدار سنوات طويلة، خلافات مالية وسياسية، السياسيةُ منها وهو المهم، تتلخص في ملاحظات "ابن زايد" على الأداء السياسي للحريري في إدارة العلاقة مع حزب الله، والهوامش التي رافقت تنصيب المشال عون رئيساً لبنان.

حكاية "الحريري وابن زايد" بدأت عقب حادثة الريتز، عندما أُفشل المخطط السعودي الذي بدأ بإجبار الحريري على الاستقالة، وقدمت دول حليفة للملكة كـ مصر والإمارات اعتراضها على "غباء" التخطيط والتنفيذ، حينها، وبعد محاولة السعودية النزول من على "المئذنة"، سمحت للحريري بالقيام بجولة خارجية، انطلاقاً من أراضيها، بغية إذلاله وانفاذ مشيئة "الملك" عليه، وكانت "الإمارات" واحدة من المحطات التي تعّمد محمد بن سلمان ووزيره "السهبان"، أن يمر بها الحريري، طمعاً في أن يستغل ولي العهد الإماراتي محمد بن زايد الكرب الذي يعيشه الحريري، ويصفي معه حسابه القديم؛ فيرضي ولي العهد السعودي مزيداً من "شبق" النقمة لديه، في رؤية "الشيخ سعد" ينحدر في دركات الذل.

لكن ما حدث، كان مغايراً لما تمنى "ابن سلمان"، إذ أحسن "ابن زايد" استقبال ضيفه، وبشّره بأن الأزمة التي يعيشها قاربت على النهاية، ولم تكتفِ "الإمارات" بذلك، إذ عملت من خلال منظمات دعم ومناصرة، تساهم في تشكيل التوجه العام في الكونغرس الأمريكي، على تجريم "المغامرة السعودية"، وقبلاً من ذلك، كانت قد قدمت مع مصر، موقفاً مشتركاً تجاه السلوك السعودي.

كانت حادثة الريتز، هي البداية الفعلية لانكفاء الدور السعودي في لبنان، إذ خسرت السعودية وفريقها الحاكم، ولاء عائلة الحريري، التي عصت الأوامر "الملكية السامية" في مبايعة بهاء الحريري، وتمسكوا بالشيخ سعد، لكن نهاية دور السعودية، ليس سوى "تغيير بروفايل"، حيث ناب الإماراتيون مكان السعودية، إذ تعيش الإمارات في ريعان شبابها التمددي في المنطقة، وتحاول الاستحواذ على مساحات أوسع في البلدان العربية على حساب الدور السعودي المتهاوي.  

وبدت المساحات أمام "الإمارات" في لبنان أكثر براحاً، إذ تقاتل "أبو ظبي"  بذات "أحصنة" السعودية، لكن بتكتيكٍ جديد، تكتيك يقوم بالأساس على اقامة أكبر قدرٍ من العلاقات المثمرة مع رجال الأعمال والسياسية المتنفذين في كافة التيارات والأطر السياسية والمذهبية، الذين سيعملون بشكل أو بآخر، ظهيراً ناعماً للكتلة السياسية المعروفة بولائها وانحيازها للإمارات.

الإمارات وسوريا

بدا لافتاً أيضاً، أن "الإمارات العربية المتحدة" أعدت نفسها كبديل عربي لدول الصدام، فالدول التي كانت مخلباً رئيساً في الأزمة السورية، كالسعودية وقطر، صارت المقاعد الخلفية من نصيبها في الملف السوري، تبعاً للوقائع التي فرضها الجيش السوري في الميدان، وأفسحت الطريق لـ "أبو ظبي" التي لم تحرق كل مراكبها مع "دمشق"، فكان افتتاح السفارة الإماراتية في البلاد، مؤشراً على الطموح الإماراتي المتزايد في المنطقة، لكن ما انعكاسات ذلك على لبنان؟

نعاود الحديث هنا عن الأسلوب الإماراتي في العمل السياسي، القائم على صناعة اللوبي، وقطاعات الضغط والمناصرة، التي تقوم في الغالب على أكتاف أشخاص ذوي نفوذ ديني أو مالي أو سياسي، أو رجال أعمال، وجمعيات خيرية، ويجري اختراق هذه الكيانات، بطرق رسمية، أو بالعلاقات الفردية، وهنا، تكمن الرغبة الإماراتية بالتوسع، إذ ستشكل "دمشق" ليس بالضرورة بصفتها الرسمية، إنما بأشخاص نافذين في نظامها،  رافداً جيداً في العلاقات على صعيد الملف اللبناني، فـ سوريا، ضليعة أكثر من أي أحد، بمرافق لبنان وأزقتها السياسية.

ماذا عن حزب الله؟

الأزمة بالنسبة لحزب الله، ليس إذا ما كان المتدخل في الشأن اللبناني الإمارات أو السعودية، كلا الدولتين، تمتلكان برنامجاً سياسياً يقف على النقيض تماماً مع برنامج حزب الله وأطروحاته وطموحاته، ومعنى لذلك، أن "الإمارات" لن تقدم دوراً مغايراً للدور السعودي، ربما تقدم سلوكاً وتكتيكاً أكثر نعومة ومرونة، نعم، لكن مقصد هذا التدخل في النهاية، هو تقويض حالة الاستقرار التي يسعى الحزب وحلفاؤه لتحقيقها، واستمرار حالة الإشغال التي ستدفع البلاد إلى مزيد من الانهيار .