سَتُطرح بعد الانهيار.. مبادرة أمريكية للاقتصاد اللبناني: نحو ابتزاز بعيد الأمد

يبدو أن كل التقديرات المتفائلة التي رأت في تشكيل حكومة الرئيس حسان دياب بوابة خلاص؛ ستصطدم بجدار الحسابات الدولية الصلدة، فالواقع يقول أن موسم الأعياد خدّر من حدة التصريحات الغربية تجاه لبنان، إذ لم تصدر الولايات المتحدة ولا الاتحاد الأوربي موقفاً حاسماً تجاه تكليف دياب، بل أبقت الباب موارباً في انتظار الشاكلة التي ستكون عليها الحكومة في النهاية.

صحيح أن "دياب" ليس شخصية مواجهة، وإن حاول تيار المستقبل تصديره للشارع بهذه الصورة، إلا أنه اختيار حزب الله بالنسبة للغرب، والأخير وضع معايراً ثابتا للتعامل مع الحكومة القادمة، يحدده مدى قربها أو بعدها عن الثنائي الشيعي.

وتبدو الأزمة هنا، في أن أثقل الملفات المنوط بالحكومة المنتظرة وضع علاج فعال لها، هو الملف الاقتصادي والمالي، الذي يقدر خبراء اقتصاديون أنه لا يمكن أن يتعافى بشكل آني، إلا إذا قدمت الدول الغربية قروضاً بالمليارات لإنقاذه من التهاوي المتسارع.

ويضع الغرب في طريق المساعدات والمنح، عدد من العثرات الكؤود التي لا يمكن لحكومة خرجت من رحم أزمة خطيرة، أن تعالجها، والفساد الذي تحميه الطوائف هو أبرز تلك العقبات، إذ أنه ووفق التقرير الصادر عن البنك الدولي عام 2016، فإن الموظفين الحكوميين يستحوذون على ما نسبته 25% من قيمة الموازنة العامة، فيما يرزح باقي اللبنانيون تحت خط الفقر، باستناء 1% منهم، يعيشون حالة من الغنى الفاره والترف الفاحش.

فيما يتصاعد الدين العام إلى مستويات خطيرة، إذ بلغ بحسب صندوق النقد الدولي 195% من الناتج المحلي بمبلغ يصل إلى 107 مليار دولار ودين تفوق حصة المواطن اللبناني منه الـ  15 ألف دولار.


هذا الواقع التراكمي لواقع الاقتصاد، صنعته العشرات من السياسات المالية الخاطئة للحكومات المتعاقبة على مدار السنين، فمسألة ربط المساعدات بشعار مكافحة الفساد الحكومي، يحتاج إلى سياسية وطنية شاملة، مدعومة بغطاء شعبي عابر للطوائف والزعامات السياسية، وهل من الممكن لحكومة وليدة أن تستطيع إحداث خرق فيه على المدى القريب حتى تصحل المساعدات الغربية؟

البلاد بحاجة إلى المساعدات الخارجية أكثر من أي وقت مضى، ورغم أن تلك المساعدات لم تتوقف في أوج حالة الفساد المالي خلال السنوات الماضية، فإنها اليوم بحاجة إلى "عصا موسى" لتحصيلها، فيما يبدو وكأن هذا الاشتراط الفضفاض هو غطاء لثمن سياسي مطلوب من لبنان داخلياً واقليمياً على صعيد التموضع والانحياز.


وحتى ان تمكنت المشاورات الحالية في تحقيق نجاح بتأليف حكومة تستبعد فيها وجوه الفساد والزعامات السياسية الجدلية، فإن عين "الولايات المتحدة" على الدور العميق الذي يمارسه خصومها التقليديين في توجيه لبنان سياسياً، هذه النقطة لا يمكن القفز عليها أمريكياً، وإن أبدى مستشار وزير الخارجية الأمريكي ديفيد هل في زياراته الأخيرة ليونة تجاه الواقع الحكومي المقبل،  لذا، فإن السيء لابد قادم، خصوصاً في ظل تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، في مختلف ميادين الشرق الأوسط، الوقائع الجديدة في العراق واليمن وسوريا، لا تبشر إلا بمزيد من التأزم.

 

فيما الحل المطروح، من الحزب الديموقراطي الأميركي ليس سوى أداة ابتزاز، لن يكون أمام حزب الله إلا أن يرفضها، إذ يحضر الحزب الأمريكي مبادرة سياسية سيطرحها عندما تشتد الأزمة الاقتصادية في لبنان، ستتضمن تمويلاً يدعم الاصلاحات الوزارية المدنية، وتمويلاً موازياً يساهم في محاربة الفساد وتعزيز سيادة القانون، وترميم البنى التحتية،
في مقابل تحييد حزب الله عن أي دور حكومي يمكنه من خلال توجيه سياسات البلاد الخارجية، والأخطر هنا، أن المبادرة ستطرح في الوقت التي ستصل فيه البلاد إلى ذروة السقوط المالي، ما يعني أنها حبل النجاة الذي ينتظر الأمريكيون أن يلى التفافاً شعبياً حوله من شأنه أن يواجه رفض حزب الله المتوقع له.

وهو ما تحدث عنه السفير الأمريكي دينيس روس تحت عنوان "الشراكات الاستراتيجية مع الشعب اللبناني"، المقترح الذي يتم تداوله اليوم، لا يتعارض مع إصرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تشديد الخناق على إيران وحلفائها، ما يعني أنه ليس سوى أداة ناعمة تتساوق مع الهدف المعلن، في تحجيم أذرع حلفاء إيران في كافة ساحات الشرق الأوسط.

إسرائيلياً، أفرد مركز بحوث "ألما" المقرب من مركز القرار في دولة الاحتلال، مساحة واسعة لمتابعة الأحداث الداخلية الشعبية في لبنان، بعد أن كان اهتمامه ينصب على مراقبة الحدود والبنى العسكرية للمقاومة، ما يعني أن الأزمة اللبنانية الداخلية، حاضرة، كواحدة من أدوات الاستغلال والمواجهة في المعركة المفتوحة بين حزب الله و (إسرائيل).

ووسط كل التشاؤم السابق، تتحدث مصادر سيادية مطلعة، عن وجود خطة مقابلة لمواجهة المخطط الغربي، خطة تبدو بطيئة الأثر والمفعول بالمقارنة بحجم التحديات، لكنها آخر "قشة" يمكن للغريق أن يتعلق بها.