حرب النفط مع روسيا: الحريق في السعودية والنار في العراق

حرب أسعار النفط

أفردت وكالة بلومبرج مساحة على صفحتها الرئيسية لمناقشة آثار الخطوة السعودية في تخفيض أسعار النفط، على علاقة المملكة بالدول العربية المحيطة، ولاسيما الدول النفطية منها.

ورأى كاتب المقال وهو الصحفي بوبي غوش، أن ولي العهد السعودي الشاب، كان مغامراً متهوراً لم يقدر العواقب الحقيقة وراء خطوته، فقد نسف بذلك، كافة الجهود التي بذلتها السعودية في التدخل بالشأن العراقي، بعد تحقيقه نجاحاً نسبياً في دفع المتظاهرين العراقيين إلى توجيه أصابع اللوم في مشاكلهم إلى إيران، ويرى "غوش" أنه خلال مدة قريبة لم تكون الحكومة العراقية قادرة على دفع رواتب موظفيها، والسبب هو تدمير ابن سلمان لأسعار النفط، حينها، بحسب ما يرى، لن يحرق العراقيون سوى صور محمد بن سلمان عوضاً عن صور المرشد الأعلى علي خامنئي.

وفيما يلي نص المقال الذي ترجمته "النهضة نيوز":

كما هو الحال في كثير من الحيان عندما يكون هناك حاكم متهور و قوي النفوذ، قد تستغرق عواقب حرب النفط الوعرة التي يشنها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان سنوات حتى تنتهي .

صحيح أن العواقب المترتبة عليها و التي انعكست على اقتصاد بلاده تبدو واضحة للغاية، بداية من توقف النمو الاقتصادي، وزيادة الديون، وتضاؤل ​​الاحتياطيات والعجز المالي الخانق .

و فوق كل ذلك، إذا نظرنا إلى السياسة الخارجية سنجد أن العلاقات بين الرياض وموسكو قد أصبحت شبه معدومة و تحيط بها العديد من الخطوط الحمراء .

و لكن هل فكر أي شخص في دائرة الأمير محمد المقربة في آثار هذه الحرب النفطية و تداعياتها على العلاقات مع الدول العربية الأخرى ؟، وهل ستبقى البلدان الأقرب إلى المملكة العربية السعودية كالبحرين و الإمارات العربية المتحدة و مصر قريبة كما هي عليه الآن ؟ و ما إذا كان هذا التقارب سببه مشاركة حكام تلك الدول لرؤية و توجهات الرياض أم لأنهم يعتمدون على سخائها وحسب ؟

ففي الحقيقة، قد يتحمل بعض الدول تلك التداعيات على اقتصاداتها كالكويت و سلطنة عمان ، و خاصة فيما يتعلق بانخفاض عائدات التصدير النفطية الخاصة بها كونها تعتبر بلدانا أصغر من أن تنتقد السعودية على الساحة الدولية أو الإقليمية . في حين أن قطر ، التي لا تزال تخضع للحصار من قبل تحالف تقوده السعودية ، لن يستمع إليها أحد و إن فكرت في الانتقاد .

و لكن على مسافة أبعد قليلا، ستزيد العواقب الاقتصادية السلبية الناجمة عن انهيار أسعار النفط حدة العداء تجاه السعودية و تقوض طموحات الأمير محمد السامية فيما يتعلق بسياسته الخارجية و علاقاته مع الدول العربية الكبيرة.

ففي الجزائر على سبيل المثال ، تشترك النخبة الحاكمة وحركة الاحتجاج المناهضة للحكومة المعروفة باسم "الحراك الشعبي" في التشكيك العميق في  نوايا النفوذ السعودي في شمال إفريقيا  فقد سعى ولي العهد السعودي إلى تحسين العلاقات مع الجزائر، حيث قام بزيارة شخصية في أواخر عام 2018 .

ومع ذلك، في الوقت الذي تكافح فيه البلاد التي تعاني من الاضطرابات السياسية منذ العام الماضي لمواجهة الانخفاض الكبير في أسعار النفط ، يعرف الجزائريون على من يقع اللوم .

و على الجهة الثانية من الوطن العربي، لا يوجد مكان يمكن أن يكون فيه الضرر الجانبي لحرب النفط التي يقودها ابن سلمان أكثر وضوحا مما هو عليه في العراق ، و هو الأمر الذي توصل إليه السعوديون منذ أن استأنفت البلدين العلاقات الدبلوماسية في عام 2015 .

إذ قدم ابن سلمان جميع الإغراءات و الفرص لفصل العراق و إبعاده من الاعتماد على إيران، بالإضافة إلى تقديم كل شيء بداية من القروض الميسرة و وصولا إلى الكهرباء الرخيصة .

و كانت هذه الجهود تهدف إلى التغلب على عدم الثقة العراقية المتراكمة تجاه السعودية ، التي تعود جذورها إلى الدور السعودي في إفشال محاولة الرئيس العراقي السابق صدام حسين احتلال الكويت في عام 1991، و على الرغم من أن العراقيين و السعوديين لم يكن من المرجح أن يصبحوا أصدقاء مقربين ، إلا أن الرياض دائما ما تأمل في التحقق من نفوذ طهران المتنامي و عرقلته مهما كلفها ذلك من ثمن .

فقد كان من المفترض أن تخلق الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في الشوارع العراقية خلال العام الماضي ، صورا و رأيا عاما موجها تعبر عن استياء المتظاهرين العراقيين من إيران ، و قام البعض بحرق العلم الإيراني و صور المرشد الأعلى الإيراني خامنئي، و هي أمور شعرت السعودية أنها تصب في مصلحتها هي بالدرجة الأولى في خضم منافستها مع طهران .

و لكن ربما تكون حرب النفط التي يشنها ابن سلمان قد فشلت في تحقيق طموحات السعودية ، فالعراق الذي يعاني بالفعل من أثار تفشي فيروس كورونا بالإضافة إلى الشلل السياسي المستمر في بغداد ، لا يمكنه تحمل العبء الاقتصادي الهائل الذي تفرضه مغامرة ابن سلمان النفطية الطائشة .

 

إذ اضطر العراق ، الذي يعتبر ثاني أكبر منتج في مجموعة أوبك ، إلى خفض أسعار البيع للتنافس مع السعودية ، و خاصة في سوق الصين التي تعتبر سوقا حاسمة للنفط الخام العراقي حتى قبل بدء حرب النفط الحالية . و لكن إذا بقيت الأسعار منخفضة كما هي عليه الآن ، فإن بغداد ستعاني من أزمة اقتصادية حادة و غير مسبوقة ، حيث أن قرابة 95٪ من دخلها يأتي من إيرادات  الصادرات النفطية .

و إن كنا نريد أن نتحدث بدقة أكبر ، فالميزانية العراقية لعام 2020 ، و الي تعتمد على النفط بشكل أساسي ، قد حددت من قبل بيع برميل النفط الخام بسعر 56 دولارا أمريكيا . و لكن خلال الأسبوع الماضي كان هناك كارثة بمعنى الكلمة على قطاع النفط العراقي، حيث انخفض سعر برميل النفط إلى ما يقرب من 30 دولارا أمريكيا فقط .

كما و يحذر المسؤولون العراقيين من أن الحكومة لن تكون قادرة على دفع الرواتب لموظفيها و مواصلة استيراد المواد الغذائية دون تعليق مشاريع التنمية و الاقتراض في الخارج .

و لنكن منصفين قليلا، من المؤكد أن السياسيين العراقيين يتحملون جزءا كبيرا من اللوم أيضا . فقد فشلت سلسلة من الحكومات في تنويع الاقتصاد العراقي و ابعاده عن الاعتماد شبه الكامل على النفط . و أصبح المأزق السياسي الآن في بغداد حادا للغاية ، كما لم يوافق البرلمان العراقي على ميزانية عام 2020 بعد .

 فبعد فشل الجهود الأخيرة لتشكيل حكومة جديدة، قال رئيس الوزراء العراقي المؤقت عادل عبد المهدي إنه لن يؤدي معظم مهامه .

و مع ذلك ، إذا كانت الحكومة العراقية غير قادرة على دفع الرواتب ، و هو الأمر الذي سيتسبب في أضرار مضاعفة وسط التفشي القاتل لوباء فيروس كورونا التاجي الجديد . فإن معظم أصابع الاتهام العراقية ستتأرجح بعيدا عن طهران باتجاه الرياض ، و من المرجح للغاية أن تكون الصور التي سيتم حرقها هذه المرة خلال المظاهرات الشعبية لولي العهد محمد بن سلمان و ليس شخصا آخر .

النهضة نيوز - ترجمة خاصة