خاص يوسف فارس: العالم ما بعد كورونا.. نظام جديد يطرق الأبواب

لا يبدو أن العالم الذي ضربه فيروس كورونا وشل أركانه، سيغدو هو نفسه بعد تعافيه من الوباء، إذ أن كثيراً من الأسس التي تسوده منذ سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991 قد تكون عرضة للتغيير، ليس على الصعيد السياسي فحسب، إنما على مستوى النظم الاجتماعية التي طبعها النمط الرأس مالي بصبغته.

فمن جهة، شكل انتشار الفيروس والمأساوية التي لحقت في الدول التي أصيبت به، عاملاً من عوامل إيقاظ الشعور بالمواطنة لدى المجتمعات المفككة التي تعصف بها خلافات سياسية، خصوصاً؛ أنها تُركت وحيدة لملاقاة مصيرها، من قبل الدول الكبرى التي تغذى نار الخلاف والفرقة فيها، وتدعم تيارات سياسية كانت سبباً في حالة التفكك المجتمعي والسياسي، ومن جهة أخرى ساهم انتشار الفيروس وتسببه في كوارث إنسانية لدى دول تعاني من عزلة وقطيعة من النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، إلى تقوية أواصر التعاطف الإنساني معها، فإيران التي تظهر الولايات المتحدة شماتة في أوضاعها الصحية المرتدية نتيجة جائحة كورونا، وجدت نفسها محتضنة شعبياً وشعورياً من دول لا تربطها بها أي علاقات مصلحية وتحالفات سياسية، إنما عامل التقارب فقط، كان الاشتراك في البلاء، ومنه نرى حالة التعاطف الشعبي المتبادل من قبل إيطاليا.

كما ساهم السلوك الأمريكي الإمبريالي على مستوى التصريحات ، في إظهار الفارق بين (إنسانية الشرق) و (مادية الغرب)، فبينما تطلب الولايات المتحدة الأمريكية من شركات الأدوية الألمانية، احتكار استخدام المصل الذي من شأنه القضاء على كورونا، لصالح الدول الغربية، وحرمان باقي دول العالم منه، كانت الصين، ترسل طواقمها الطبية إلى إيران وإيطاليا وتركيا ودول شرق آسيا الفقيرة، وتفتح ذراعيها لدول العالم المحتاجة للمساعدة في الحد من انتشار الفيروس.

هذه المفارقة، عززت الفارق الشعوري في وجدان دول العالم، بين الثقافة الغربية الذاتية المجردة من الإنسانية، ما يقابلها في الشرق، من روحانية واحساس بالمسؤولية تجاه الجنس البشري.
كما ساهمت هذه الأزمة في كسر الصنم الأمريكي والغربي، بوصفه المتقدم على العالم تكنولوجيا وصحياً، إذ لم يجد العالم بداً من "رفع القبعات" للتجربة الصينية، التي وظفت كافة الإمكانيات الثقافية والتكنولوجية في مكافحة الفيروس، بل ونجحت خلال مدة وجيزة من تقليل خسائرها البشرية إلى الصفر، لتنتقل البلاد خلال شهور، من مصدر توجس العالم وتندره كونها بؤرة انتشار الفيروس، إلا مضرب مثله في الانضباط والنظام، والمرونة في تطويع التكنولوجيا لخدمة البشر.

لقد شكل وباء كورونا زلزالاً حقيقياً للبشرية، وللنظام السياسي والاقتصادي والصحي في العالم، وجرد الدول التي تدعي التقدم والتحضر من هالةٍ لبستها على مدار عقود، والأهم من ذلك، ساهم "كوورنا" في تغيير النظرة الاجتماعية لفكرة "مطلق الحرية" و في النظرة لمفهوم "الحرية" كونها حقاً فردياً ذاتياً، إلى مفهوم أثبتت التجربة الصينية أنه أكثر دقة، فباتت القيود على حرية الأفراد، التي كانت محل انتقاد للنظام الصيني، محل اعجاب، فلولا هذا التحكم العميق بهامش حرية الأفراد في بلد يسكنها مليار وربع مليار إنسان، لما تمكنت البلاد التي سلط العالم عدساته عليها منتظراً سقوطها وغرقها في الوباء، من الانتصار على هذه الشاكلة البائنة، فالأفراد أحرار، بما لا تسبب حريتهم ضرراً أكبر يطال مجتمعهم، ونتيجة تلك النظم "الأبوية الصارمة" امتلكت الصين شعباً متفهماً للإجراءات الحكومية ومتعاطياً معها بانشراح ومسؤولية،  لقد وجد ضمير العالم نفسه لأول مرة، متعاطفاً مع "حكم بالإعدام" أصدرته السلطات الصينية غيابياً على مواطن أصيب بالفيروس وهرب من "حجره الصحي" وتسبب هروبه في نقل العدوى إلى العشرات، ووجدت الأنظمة الرأس مالية التي تتستر بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان، نفسها مضطرة لاستخدام أحكام قاسية في سبيل المصلحة الجمعية للشعوب التي يهددها الانفلات الفردي وغير المسؤول.

في خلاصة الأمر على الصعيد السياسي والثقافي، إن دول العالم وأهمها الحليفة لأمريكا والغرب، أدركت أنها تستند في تحالفها على جدار أمريكي خاوٍ، لا يفكر إلا بمصلحته، ويتعامل مع الجميع، على أساس خدمة بقائه وتقوية نفوذه، إنه منطق تسطيح البشر والدول والكيانات إلى وظيفة الأدوات والوسائل، وسط ذلك، لا يبدو النظام العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة خجلاً من سلوكه، إنه يتصرف بتلقائية مفرطة، للحد الذي تباهت وسائل الإعلام الأمريكية بعملية "وصول 911" التي سرقت فيها 500 ألف عينة اختبار من أكثر دول العالم حاجة لها، أجل، لقد جمعت تلك العينات من "إيطاليا" التي أعلنت وسائل الإعلام العالمية أنها تفوقت على الصين في عدد الوفيات الإصابات بالفيروس التاجي القاتل.

مكافحة كورونا في ايطاليا.jpg
 

أما على الصعيد الاجتماعي، فقد دخل العالم في كهف العزلة من أوسع أبوابه، وقد منح الفيروس التاجي فرصة للبشرية للتأمل في نمط حياتها المتبع منذ عشرات السنين، فلم ينهار الكوكب بعد، رغم أن الرجال لا يستيقظون من نومهم باكراً في مطاردة الوقت، للوصول إلى عملهم الذي لا يغادروه إلا في ساعات متأخرة من الليل.

كما أن الطرق الخالية من زحام السيارات، لم تشكُ من الضجر بعد، فقد اجتمعت العائلات التي فرقت مشاغل الحياة شملها، وربما وجدت متسع من الوقت، في تأمل الأبناء الذين يكبرون بعيداً عن ترقب والديهم.
فيما صار الإنترنت ضرورة لا يقل أهمية عن الطعام والشراب، وهو أحد الوسائل التي لا غنى عنها في التقوي على الصمود في تلك العزلة.

لا أحد يدري قدر الوقت الذي  تحتاجه البشرية للتخلص من هذا الوباء، لكن الأمر الذي لا ريب فيه، هو أن الزلزال الذي أحدثه كورونا، ساهم في طرح أسئلة كبيرة وكثيرة عن مستقبل هذا العالم، على صعيد الثقافة والاقتصاد والسياسة، والأمم الجديرة بقيادته، والكيانات التي تتغذى على مصائبه، والحق، أننا ننتظر عالماً جديداً، بات اليوم يتشكل في عقول البشرية، وحتى يصبح هذا التغير واقعاً، ربما سنكون على موعدٍ مع كوراث أخرى، لن تكون على شكل أوبئة بكل تأكيد.

 

 

 

النهضة نيوز - بيروت