اللبنانية الشاعرة "ميراي عبد الله شحادة" في قصيدتها "نعم أحبك": رقصةَ التصوف المتأودة بخضّة الاشتياق إلى مشهدية الروح

الشاعرة ميراي شحادة

قد لا نكتبُ في قصائدِ الشاعرة المرهفة " ميراي عبد الله شحادة " ما نُريد ، لكنَّ الواقع النّاجِز أنّها هيَ التي تكتبُ نصّنا نَحنُ ! هوَ الحضورُ الذي يكتبنا كلما قرأناها يتشكّلُ مِنَ ابتِدارِ المسافاتِ للحُبّ بينَ فورةِ نيسان وجنونِ القفيرِ البلاغيّ بِشَهْدِ البيانِ في علاقةٍ فنّية مُطْلَقَة بينَ الايقاع والمحتوى الشعري للقصيدة دونَ التزامِ الوزنِ الخليليّ حيثُ قامتْ بخَلْقِ انسجامِ الكلمةِ معَ المعنى وهو ما يعني تقييدَ الاحساس بالكلمة للوصول إلى معناها تماماً كما ربطتْ ذاتها الجميلة بالقارىء كأنهما فكرةٌ واحدة في الأنا :

أحبّكَ نعَم !

وأثبُ إليك كجنادب ترقص في طنين

كنوافير عشق يتناثر سناها في التلال

كجنون قفير منتشٍ بالغنج والدلال

كرعشة حروفي الساجدة أمامك في ابتهال

فتعال .... تعال .. تعال !

وإذ تكون الأنا في قصيدة " أحبك نعم " هي الشاعرة والقارىء معاً ، فإنها تشكل رقصةَ التَّصوُّفِ الوحيدة المُتأوِّدة على ضفافِ المعاني كُلما باحتْ بها جواهرُ مفرداتها كجسدٍ مخمورٍ بخضَّةِ الاشتياق إلى مشهدية الروح المُضيء في غيهبِ الغَسَق الوجودي من حولنا ، وفي تحدٍّ أجشِّ النبرة للنسيان المُخادع ، مدعاةِ السنين البائدة :

أحبّكَ نعَم !

ضوءاً مطرِّزاً عتمتي بالورد والياسمين

وقلباً خافقاً بالحُبِّ متلألئاً ... شوقاَ وحنين

يا حبيباً نقّبَ عن افراحي مذْ كنتُ جنين

وساءلني " أين كنت " ! متوارية في أدغال السنين

أحبك نعم !

هذه الـ "ميراي " خيزرانة الشِّعرالمذهبة بالبراءة على مذهب سلطان أهل المحبة ، التي كلما استعرضت جواري الكلمات أمام سلطان البيان فلا يرفض إحداهُنَّ قطعا ، إذْ كلُّهُنّ عذارى منْ سُلالةِ اللُّطْفِ واللُّطَفِ التي تغدو وتروح على وسنِ العبارة ، أورقتْ شعراً بعد إذْ شبعتْ من " حساء الأبجديات "، هوَ أنفسُ منْ طلوعِ الشمس على الخليقةِ ساعة البَرْد ، وهوَ أولُّ الشَّيبِ الشهيّ في مفرقِ النّاسكِ الطَّيّب، وزدْ عليه نبيلَ إحسانه ، فإنْ لم تَصِدِ العقول صادتِ القلوب بطِيبِ ما رقدتْ عليه ألطافُ صُوَرِها وسَكَنَ إليهِ موصوفُ الجمالِ في البحث عن الذات فيما لو أحبَّ المرءُ وعشِق ، وفيما لو أرادَ حُبَّ التحدي في تحدّي الحُبّ ، وجهاً لوجه وعيناً لعين ! تقولُ " ميرا " :

أحبّكَ نعَم !

وسأطهو لجوعي منْ وهجكَ حساء الأبجديات

لن تبقى قُبَلي مجمّرة يَتْمى في قرميدِ الذكريات

ولن تتلعثمَ أحلامي السائحة في ظلال السماوات

سأغمد عينيّ في عينيك !

وأهجع في لججك كالمرساة .

فِعْلُ ولادةِ المشاعرِ منَ اللا محدود في فنّ الحلُم القويّ الجميل ، إلى تحوُّلِّها المُنْحَدِر حتى آخرِ القصيدةِ مُبْحِرَةً في قاربٍ منْ نوركُلّما اختلجَ الشّراعُ فوقَ شواطىءِ الحنين . إذْ تؤكّدُ قيمةِ اللّفظة في مكانها بلا اضطراب فلا تنوءُ مفرداتُ " ميرا " بحملِ المعنى ، وإلا ماتتِ الفكرةُ لتصبحَ حفيفَ ذكرياتٍ على رفوف الذاكرة المنهكة . إنها

أحبّكَ نعَم !

وفي جذوةِ خصامنا لم توصدْ أمامي أبوابها الجبال

ونسوري ما زالت تخيط لك

في اوكارها نسائم الشمال

وضحكتي تشيّد أكواخاً منْ شمسك في أسِرّة الجمال

لك ، إنْ شئتُ أخلعُ ظِلّي ، وأرتدي يا حبّي خمارِ الزّوال !!

ويبقى أنّ " ميرا " تتحرر من افتراضات المواقيت والأمكنة ، إلى عنفوان مخيلتها الفارهة ، لتجلسَ تحتَ قوسِ نصْرِها تكتبُ بطاقةَ ملامحٍ أُنثوية تاريخها التضحية وعنوانها الإيثار إلى حبيب بلا تاريخ ، بلاعنوان ، وربَّما بلا روح ! إنّها القصيدةُ الأُنثى في دلالها ، والنصُّ الرّجُل في فكرته ، وهي السَّمْعُ في القارىء والبَصَرُ في السَّامع ، وإذنْ !!! فهيَ حتماً القصيدةُ التي تقولُ لكَ النَّفْسُ - الملتهبةُ بالصّوتِ الشجيّ والصوتِ الحزينِ معاً - كُلَّما قرأْتَها أوْ سمِعْتَها : يا هذا زِدْ !

النهضة نيوز