تمكن علماء من جامعة كوين ماري في لندن من تطوير طريقة للتغلب على دفاعات الخلايا الطبيعية ضد لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال mRNA ذاتية التضخيم، ما يسمح للخلايا بإنتاج كميات أكبر بكثير من البروتين المستهدف.
ونشرت نتائج الدراسة في مجلة Nature Communications.
وكانت اللقاحات المعتمدة على mRNA من التقنيات الرئيسية التي ساعدت في مواجهة جائحة كوفيد-19. وعلى عكس اللقاحات التقليدية التي تستخدم جرعة منخفضة من فيروس أو مكونات منه لتحفيز المناعة، توجه لقاحات RNA الخلايا إلى إنتاج بروتين معين، ما يدرب الجهاز المناعي على التعرف إلى الفيروس ومكافحته.
ومنذ ذلك الحين، يعمل العلماء على تطوير لقاحات RNA ذاتية التضخيم (saRNA)، وهي تقنية تستطيع فيها جزيئات RNA نسخ نفسها داخل الخلايا المضيفة.
وقد توفر هذه اللقاحات من الجيل الجديد حماية أطول أمدا باستخدام جرعات أقل، ما قد يجعل إنتاجها وتوزيعها على نطاق واسع أسرع وأسهل.
فوائد تتجاوز الوقاية من الأوبئة
لا تقتصر إمكانات لقاحات RNA ذاتية التضخيم على الوقاية من الأوبئة.
إذ تحمل هذه التقنية آمالا كبيرة باعتبارها استراتيجية جديدة يمكن استخدامها في العلاج الجيني، والعلاج المناعي للسرطان، والعلاجات القائمة على استبدال البروتينات.
لكن العقبة الرئيسية أمام هذه اللقاحات تكمن في التقنية نفسها.
فعندما يتكاثر RNA ذاتي التضخيم، ينتج عنه RNA مزدوج السلسلة (dsRNA)، وهو نوع من الجزيئات يحفز دفاعات الخلايا المضادة للفيروسات.
وتؤدي هذه الاستجابة إلى جعل RNA ذاتي التضخيم أقل استقرارا، وأقل قدرة على نسخ نفسه، كما تقل قدرته على توجيه الخلايا لإنتاج البروتين الذي يدرب الجهاز المناعي.
ويمثل ذلك عيبا رئيسيا يحد من فعالية لقاحات RNA ذاتية التضخيم.
بروتين يساعد على تجاوز دفاعات الخلايا
اكتشف الدكتور بيير ميلارد والدكتور راؤول يوسف سانشيز دافيد، وهما عالمان في معهد بليزارد التابع لجامعة كوين ماري في لندن، أن إضافة بروتين NoV B2 يمكن أن تساعد على التغلب على هذه المشكلة.
ومن المعروف أن هذا البروتين يثبط تداخل RNA، وهي إحدى آليات الدفاع الطبيعية في الخلايا ضد RNA مزدوج السلسلة.
ومن خلال تقليل قدرة الخلايا على تقييد RNA ذاتي التضخيم، سمح بروتين NoV B2 لهذا الجزيء بإنتاج كميات أكبر بكثير من البروتين المستهدف، وذلك في كل من الخلايا الجذعية والخلايا العادية.
والأهم أن هذه العملية لم تؤثر سلبا في قدرة RNA ذاتي التضخيم على تحفيز الجهاز المناعي.
وقال ميلارد، وهو محاضر أول في مجال المناعة المضادة للفيروسات في جامعة كوين ماري في لندن، إن النتائج تحدد استراتيجية للتغلب على عقبة أساسية تحد من فعالية اللقاحات ذاتية التضخيم.
وأضاف أنه إذا نجحت هذه التقنية عند اختبارها داخل الكائن الحي، فقد تفتح إمكانات جديدة أمام تصميم اللقاحات، إضافة إلى العلاج الجيني وعلاج السرطان.
جيل جديد من اللقاحات
يعمل الفريق حاليا مع شركة Queen Mary Innovation، وهي شركة نقل التكنولوجيا التابعة للجامعة، للعثور على شريك تجاري يساعد في تطوير هذه التقنية تمهيدا لاستخدامها في التطبيقات السريرية.
ومن خلال زيادة كمية البروتين التي يستطيع RNA ذاتي التضخيم إنتاجها في المختبر، يمكن أن تفتح هذه التقنية مجالات جديدة في العلاج الجيني والعلاج المناعي للسرطان والعلاجات القائمة على استبدال البروتين.
وإذا أثبتت التقنية نجاحها في الدراسات المستقبلية، فقد تساعد على جعل بعض أشكال العلاج الجيني أكثر أمانا وأقل تكلفة، وزيادة فعالية لقاحات السرطان، وتحويل العلاج باستبدال البروتين من عملية تتطلب حقن البروتين بصورة متكررة إلى نهج يستطيع فيه جسم المريض إنتاج العلاج بنفسه.
وسط نقاش متزايد حول أبحاث mRNA
يأتي هذا التطور في وقت يتزايد فيه النقاش حول تمويل أبحاث mRNA، عقب إعلان أمريكي عن خفض قدره 500 مليون دولار في تمويل أبحاث لقاحات mRNA، وهو قرار أثار مخاوف واسعة في الأوساط العلمية ومجتمعات الصحة العامة على مستوى العالم.
وقال الباحثان ميلارد وسانشيز دافيد إن اكتشافاتهما في جامعة كوين ماري تظهر استمرار قوة المملكة المتحدة كمكان للاستثمار في البحث العلمي والابتكار.