كشف باحثون في مركز فريد هاتش لأبحاث السرطان عن آلية جزيئية جديدة قد تساعد على فهم سبب تحول بعض أورام البروستاتا إلى أشكال أكثر عدوانية ومقاومة للعلاج.
وأظهرت الدراسة أن استعادة جزيء واحد يشارك في تصنيع البروتينات يمكن أن تعيد حساسية الأورام المقاومة للأدوية في نماذج تجريبية، ما يفتح المجال أمام البحث عن أهداف علاجية جديدة لسرطان البروستاتا.
ويعتمد عدد من العلاجات المستخدمة حاليا لهذا السرطان على استهداف بروتين يسمى مستقبل الأندروجين، الذي يؤدي دورا أساسيا في تحفيز نمو الخلايا السرطانية. لكن بعض الأورام تستطيع التكيف مع العلاج، فتقلل اعتمادها على هذا المستقبل وتتحول إلى حالات أكثر عدوانية وأقل استجابة للأدوية.
ونشرت الدراسة في مجلة Nature العلمية، وقدم الباحثون فيها أدلة على أن نوعا محددا من الحمض النووي الريبي الناقل، المعروف اختصارا باسم tRNA، يمكن أن يؤثر في هوية الخلايا السرطانية واستجابتها للعلاج.
كيف يتحكم تصنيع البروتينات في سلوك الخلايا السرطانية؟
سرطان البروستاتا العدواني ( مصدر الصور: Shutterstock )
لفهم الاكتشاف الجديد، لا بد من معرفة الدور الذي تؤديه جزيئات الحمض النووي الريبي في إنتاج البروتينات داخل الخلايا.
تستخدم الخلايا الحمض النووي الريبي الرسول (mRNA) لنقل التعليمات اللازمة لبناء البروتينات. أما الحمض النووي الريبي الناقل (tRNA)، فيساعد على ترجمة هذه التعليمات من خلال نقل الأحماض الأمينية المناسبة، وهي الوحدات الأساسية التي ترتبط معا لتكوين البروتينات.
وكانت الأبحاث تركز تقليديا على دور الطفرات الجينية والتغيرات في تنظيم التعبير الجيني في تطور السرطان ومقاومته للعلاج. لكن الدراسة الجديدة تشير إلى أن آلية تصنيع البروتينات نفسها قد تسهم أيضا في تحديد خصائص الخلايا السرطانية ومدى استجابتها للأدوية.
وقال أندرو هسيه، الطبيب والباحث والأستاذ المشارك ومدير مشارك لقسم البيولوجيا البشرية في مركز فريد هاتش، إن الاكتشاف يفتح مجالا جديدا في علم بيولوجيا السرطان لم يحظ بالاهتمام الكافي سابقا.
وأوضح أن الحمض النووي الريبي الناقل كان ينظر إليه تاريخيا باعتباره جزيئا يؤدي دورا مساعدا في الحفاظ على وظائف الخلايا، بينما تظهر نتائج الدراسة أنه قادر على التأثير بصورة مباشرة في هوية الخلايا السرطانية.
جزيء واحد قد يغير استجابة الورم للأدوية
قاد الباحث يون سو كيم، الباحث ما بعد الدكتوراه في مختبر هسيه، الدراسة بهدف فهم كيفية مساهمة تصنيع البروتينات في تطور مقاومة العلاج.
وفحص الفريق خطوطا خلوية لسرطان البروستاتا، ونماذج تجريبية على الفئران، وعينات أورام مأخوذة من مرضى.
ووجد الباحثون أن جزيئا محددا من الحمض النووي الريبي الناقل، يحمل الاسم العلمي tRNA1Arg(UCU)، كان موجودا بمستويات مرتفعة في الخلايا السرطانية التي تعتمد على مستقبل الأندروجين في النمو.
في المقابل، كانت مستوياته أقل في الأورام التي انخفض اعتمادها على هذا المستقبل، والتي أظهرت مقاومة للعلاجات الموجهة إليه.
ولم تتوقف النتائج عند رصد هذا الارتباط؛ إذ أظهرت تجارب المتابعة أن تزويد الأورام المقاومة بهذا الجزيء أعاد حساسيتها للعلاجات التي تستهدف مستقبل الأندروجين.
وقال كيم إن الفريق تمكن من تغيير حالة الخلايا بين نمط يعتمد على مستقبل الأندروجين وآخر لا يعتمد عليه، باستخدام جزيء واحد من الحمض النووي الريبي الناقل.
وتكتسب هذه النتيجة أهميتها من أن تغير هوية الخلايا السرطانية يعد أحد العوامل التي قد تسمح للورم بالتهرب من العلاج والتحول إلى نمط أكثر عدوانية.
لماذا يصبح سرطان البروستاتا مقاوما للعلاج؟
تستهدف علاجات عديدة لسرطان البروستاتا الإشارات التي ينقلها مستقبل الأندروجين، وهو بروتين يستجيب لهرمونات الأندروجين ويسهم في تنظيم نمو خلايا البروستاتا.
لكن بعض الخلايا السرطانية تستطيع تغيير خصائصها تدريجيا، فتقلل اعتمادها على هذا المسار الذي تستهدفه الأدوية.
وعندما يحدث ذلك، قد تصبح العلاجات التي كانت فعالة في البداية أقل قدرة على السيطرة على الورم.
وكان معروفا أن الطفرات الجينية والتغيرات في تنظيم التعبير الجيني يمكن أن تسهم في هذه العملية. أما الدراسة الجديدة، فتضيف آلية محتملة أخرى، تتمثل في دور الحمض النووي الريبي الناقل في الحفاظ على هوية الخلايا السرطانية أو تغييرها.
وتشير النتائج إلى أن مستويات جزيء tRNA1Arg(UCU) قد ترتبط ببقاء الورم في حالة تستجيب للعلاج أو انتقاله إلى حالة أقل استجابة.
ومع ذلك، لا تثبت هذه النتائج أن الجزيء وحده يفسر جميع أشكال مقاومة سرطان البروستاتا، إذ تتداخل عوامل بيولوجية متعددة في تطور المرض واستجابته للعلاج.
هل يمكن استخدام الجزيء للكشف عن الأورام الأكثر عدوانية؟
يبحث كيم وهسيه حاليا في إمكانية استخدام جزيء tRNA1Arg(UCU) مؤشرا حيويا يساعد على تحديد أورام البروستاتا الأكثر عدوانية، أو هدفا يمكن استغلاله في تطوير علاجات جديدة.
وإذا أكدت الدراسات المستقبلية فائدته، فقد يساعد قياس مستوياته في الأورام على فهم مدى اعتمادها على مستقبل الأندروجين، وبالتالي دعم اختيار العلاج الأنسب لكل حالة.
كما يمكن أن يفتح استهداف هذا الجزيء مسارا لتطوير علاجات تهدف إلى إعادة الخلايا السرطانية إلى حالة أكثر استجابة للأدوية، بدلا من الاكتفاء بمحاولة قتل الخلايا المقاومة.
لكن هذه الاستخدامات لا تزال في مرحلة البحث، ولا بد من إجراء دراسات إضافية لتحديد مدى دقة الجزيء بوصفه مؤشرا حيويا، والتحقق من سلامة استهدافه وفعاليته لدى المرضى.
هل ينطبق الاكتشاف على أنواع أخرى من السرطان؟
استخدم الباحثون سرطان البروستاتا نموذجا لدراسة التغيرات في هوية الخلايا المرتبطة بالحمض النووي الريبي الناقل، لكنهم يعتقدون أن الآلية قد تكون ذات أهمية في أمراض أخرى أيضا.
وأشار كيم إلى إمكانية تطبيق هذا النهج على أنواع أخرى من السرطان التي تتغير فيها هوية الخلايا بعد العلاج، بما في ذلك سرطان الرئة وسرطان الثدي.
ومع ذلك، فإن إثبات وجود دور مشابه للجزيء في هذه السرطانات يتطلب إجراء أبحاث مستقلة، ولا يمكن اعتبار نتائج سرطان البروستاتا دليلا على أن الآلية نفسها تعمل بالطريقة ذاتها في جميع الأورام.
ما الخطوة التالية؟
يمثل الاكتشاف تقدما في فهم العلاقة بين تصنيع البروتينات وهوية الخلايا السرطانية ومقاومتها للعلاج.
فبدلا من التركيز حصرا على الطفرات الجينية أو البروتينات التي تحفز نمو الورم، تشير النتائج إلى أن جزيئات تشارك في بناء البروتينات قد تؤثر أيضا في الطريقة التي تتكيف بها الخلايا السرطانية مع العلاج.
لكن التجارب التي أظهرت استعادة حساسية الأورام للأدوية أجريت ضمن نماذج تجريبية، ولا تعني أن إعطاء هذا الجزيء للمرضى سيحقق النتيجة نفسها.
وسيحتاج الباحثون إلى إجراء مزيد من الدراسات لتحديد كيفية الاستفادة من هذا الاكتشاف سريريا، وتقييم مدى أمان التدخل في مستويات الحمض النووي الريبي الناقل داخل الخلايا السرطانية.
الخلاصة: اكتشف باحثون أن جزيئا من الحمض النووي الريبي الناقل، يسمى tRNA1Arg(UCU)، يرتبط بمدى اعتماد خلايا سرطان البروستاتا على مستقبل الأندروجين واستجابتها للعلاج. وأظهرت التجارب أن توفير هذا الجزيء أعاد حساسية الأورام المقاومة للأدوية في نماذج تجريبية، ما قد يمهد الطريق لتطوير مؤشرات حيوية وعلاجات جديدة مستقبلا، لكنه لا يزال بحاجة إلى مزيد من البحث قبل استخدامه لدى المرضى.