أعلنت جامعة الشرق الأقصى الفيدرالية الروسية تطوير مسكن ببتيدي غير أفيوني للألم، وصفته بأنه الأول من نوعه عالميا ولا توجد له نظائر في السوق العالمية، وفقا للجامعة.
وينتمي الدواء الجديد إلى فئة الابتكارات التي يطلق عليها اسم «First in Class»، ويُقصد بها العلاجات التي تقدم نهجا جديدا لاستخدام دوائي معين، بدلا من الاكتفاء بتطوير نسخة من دواء موجود.
ووفقا للجهة المطورة، لا يسبب العقار الاعتماد الدوائي، كما أظهرت النتائج التي استند إليها المشروع فعالية تفوق فعالية مضادات الالتهاب غير الستيرويدية. لكن هذه الادعاءات تحتاج إلى تقييم سريري قبل التأكد من فعاليتها وسلامتها لدى البشر.
مسكن غير أفيوني ( مصدر الصورة: Freepik )
وعرض الباحثون المشروع في جناح الجامعة خلال منتدى «بيوبروم 2026» (BIOPROM-2026).
كيف يعمل المسكن الجديد على تخفيف الألم؟
تعتمد المادة الفعالة في العقار على ببتيد مؤتلف يحمل اسم HCRG21، ويعمل على تثبيط قناة الأيونات TRPV1، وهي بنية بروتينية موجودة في الخلايا العصبية الحسية وتؤدي دورا مهما في نقل الإشارات المرتبطة بالألم.
وتشارك قناة TRPV1 في استشعار المنبهات المؤلمة، بما فيها الحرارة المرتفعة وبعض المواد الكيميائية المهيجة. ولذلك، فإن التأثير في نشاطها يمثل أحد المسارات التي يدرسها العلماء لتطوير علاجات تستهدف الألم.
وعلى عكس المسكنات الأفيونية التي تؤثر في مستقبلات أفيونية داخل الجهاز العصبي، يستهدف المركب الجديد آلية مختلفة مرتبطة بنقل الإشارات الحسية.
وتكمن أهمية هذا النهج في البحث عن وسائل لتخفيف الألم دون الاعتماد على الأدوية الأفيونية التي قد تؤدي إلى الاعتماد الدوائي ومخاطر أخرى، بحسب نوع الدواء والجرعة ومدة الاستخدام.
ومع ذلك، فإن استهداف قناة مرتبطة بالألم لا يضمن وحده أن يكون الدواء خاليا من الآثار الجانبية، وهو ما ستحتاج التجارب المقبلة إلى تقييمه.
من أين جاءت المادة الفعالة؟
اكتشف الباحثون الجزيء الأصلي في سم شقائق النعمان البحرية، وهي كائنات بحرية لافقارية تعيش في البحار، ومن بينها أنواع متوطنة في بحار الشرق الأقصى الروسي.
وبدلا من الاعتماد على جمع الكائنات البحرية واستخلاص المادة الفعالة منها مباشرة، يجري إنتاج الببتيد باستخدام سلالة ميكروبية معدلة وراثيا، من خلال عملية تخليق حيوي تعتمد على الهندسة الوراثية.
وتتيح هذه الطريقة إنتاج الجزيء في ظروف يمكن التحكم فيها، وقد تساعد على توفير المادة الفعالة بكميات مناسبة للتطوير الدوائي والإنتاج الصناعي.
ويمثل استخدام المركبات الطبيعية نقطة انطلاق مهمة في تطوير بعض الأدوية، إذ يمكن أن تحتوي الكائنات البحرية على جزيئات حيوية تؤثر في أهداف محددة داخل الخلايا.
لكن تحويل جزيء مكتشف في سم كائن بحري إلى دواء يتطلب تحديد خصائصه وآلية عمله، وتقييم فعاليته وسلامته، ثم اختبار قدرته على تحقيق الفائدة العلاجية المطلوبة لدى البشر.
مشروع روسي يجمع بين الجامعات ومؤسسات الأبحاث والشركات
يشارك في تطوير المسكن الجديد عدد من المؤسسات العلمية والصناعية الروسية، وهي:
مدرسة الهندسة المتقدمة في جامعة الشرق الأقصى الفيدرالية: تشارك في تطوير التكنولوجيا المرتبطة بالمشروع.
معهد الكيمياء الحيوية العضوية في المحيط الهادئ التابع لفرع الشرق الأقصى للأكاديمية الروسية للعلوم: يساهم في الأبحاث المتعلقة بالمركبات الحيوية.
مجموعة «أرنيكا» العلمية والإنتاجية: تشارك في تطوير المشروع.
شركة جيروفارم (Geropharm): تؤدي دور الشريك الصناعي في تطوير الدواء.
وأفادت الجامعة بأن الدراسات قبل السريرية قد اكتملت، وأن التجارب السريرية من المقرر أن تبدأ في عام 2027.
أما تسجيل الدواء رسميا، فمن المخطط له أن يتم خلال الفترة بين عامي 2030 و2031.
وتعني الدراسات قبل السريرية أن المركب خضع لاختبارات تسبق التجارب البشرية، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات أن الدواء فعال وآمن للاستخدام لدى المرضى.
وستكون نتائج التجارب السريرية ضرورية لتحديد مدى فعاليته الفعلية، والجرعات المناسبة، والآثار الجانبية المحتملة، والفئات التي قد تستفيد منه.
هل يمكن أن يساعد في الحد من الاعتماد على المسكنات الأفيونية؟
لا يزال الاعتماد على الأدوية الأفيونية من التحديات الصحية العالمية، خصوصا عند استخدامها لتخفيف الألم في ظروف معينة، إذ يمكن لبعض هذه الأدوية أن تسبب الاعتماد الدوائي ومضاعفات خطيرة.
وأشار التقرير إلى أن قيمة سوق المسكنات عالميا تتجاوز 75 مليار دولار، بينما تتجاوز قيمة السوق الروسية 117 مليار روبل سنويا.
وفي هذا السياق، يسعى الباحثون إلى تطوير مسكنات تستهدف آليات الألم بطرق مختلفة عن الأدوية الأفيونية.
لكن لا يمكن في المرحلة الحالية الجزم بأن المركب الجديد سيحل محل المسكنات المستخدمة حاليا أو سيقلل معدلات الاعتماد عليها. فذلك يتوقف على نتائج التجارب السريرية، ومقارنة فعاليته وسلامته بالعلاجات المتاحة.
جزيء واحد قد يفتح المجال لعلاجات أخرى
لا تقتصر الأبحاث المرتبطة بالجزيء الحيوي على تخفيف الألم، إذ يعمل الباحثون أيضا على تطوير مستحضرات تستهدف الصدفية والإنتان، وهو اضطراب خطير ينشأ عن استجابة الجسم للعدوى، إضافة إلى بعض الأمراض التنكسية العصبية.
وتشير هذه المشروعات إلى اهتمام الباحثين باستكشاف إمكانات الجزيء في تطبيقات طبية متعددة، لكن كل استخدام علاجي يحتاج إلى دراسات مستقلة لتحديد فعاليته وسلامته.
كما بدأت جامعة الشرق الأقصى الفيدرالية نقل تقنية إنتاج المسكن إلى شركة جيروفارم، في خطوة تهدف إلى تسريع انتقال الابتكار من المختبر إلى مراحل التطوير الصناعي والدوائي.
ويحظى المشروع بدعم من برنامج «الأولوية 2030» الروسي، الذي يستهدف تطوير الجامعات وتعزيز قدراتها البحثية والابتكارية.
متى قد يصبح المسكن متاحا للمرضى؟
وفقا للجدول الزمني الذي أعلنته الجامعة، من المتوقع أن تبدأ التجارب السريرية عام 2027، على أن يجري استكمال الإجراءات اللازمة لتسجيل الدواء خلال عامي 2030 و2031.
لكن هذه المواعيد تظل خططا مستهدفة، وقد تتغير وفقا لنتائج التجارب والمتطلبات التنظيمية.
وإذا أثبتت الدراسات البشرية أن المركب يخفف الألم بفعالية مع مستوى مقبول من السلامة، فقد يصبح خيارا جديدا ضمن الأدوية غير الأفيونية.
الخلاصة: طور باحثون روس مسكنا ببتيديا يستهدف قناة TRPV1 المرتبطة بنقل إشارات الألم، مستلهمين المادة الفعالة من جزيء موجود في سم شقائق النعمان البحرية. وقد اكتملت الدراسات قبل السريرية، بينما يُخطط لبدء التجارب البشرية عام 2027. ومع ذلك، لا تزال فعالية الدواء وسلامته لدى البشر بحاجة إلى إثبات.