قد تكون جالسا بالقرب من شخص يتثاءب، وبعد بضع ثوان تجد فكك ينفتح تلقائيا، وعينيك تنغلقان، وتستنشق نفسا عميقا. أنت لست متعبا ولا ترغب في النوم، لكنك رأيت شخصا آخر يتثاءب فكررت الفعل نفسه. تعرف هذه الظاهرة باسم التثاؤب المعدي ، وهي ظاهرة شائعة يعرفها معظم الناس من تجاربهم اليومية.
التثاؤب المعدي ( مصدر الصور: Freepik )
ما الكائنات التي تلتقط التثاؤب من غيرها؟
ينتشر التثاؤب المعدي في الطبيعة على نطاق أوسع مما يعتقده كثيرون. فقد أظهرت دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة Communications Biology أن أسماك الزرد تتثاءب أيضا بعد مشاهدة أفراد من النوع نفسه وهم يتثاءبون.
استخدم العلماء نموذجا للتعلم العميق للتمييز بين التثاؤب والتنفس العادي، واكتشفوا أن هذه الأسماك تقلد تثاؤب بعضها بعضا. ويعد ذلك أول دليل على حدوث التثاؤب المعدي لدى الحيوانات ذات الدم البارد.
أما لدى البشر، فتبدو الظاهرة أكثر وضوحا. وتشير تقديرات مختلفة إلى أن ما بين 40% و70% من الأشخاص يستجيبون لتثاؤب الآخرين بالتثاؤب بدورهم.
ولا يشترط حدوث هذه الاستجابة رؤية شخص يتثاءب، إذ قد يكفي سماع صوت التثاؤب، أو قراءة كلمة «التثاؤب»، أو حتى التفكير في هذه الظاهرة.
ماذا يحدث في الدماغ عند التثاؤب المعدي؟
ترتبط آلية التثاؤب المعدي بالخلايا العصبية المرآتية، وهي خلايا دماغية تنشط عندما ينفذ الشخص فعلا معينا، وكذلك عندما يشاهد شخصا آخر يؤدي الفعل نفسه.
وفي عام 2012، توصل باحثون من جامعة نوتنغهام إلى أن مشاهدة أشخاص يتثاءبون تؤدي إلى انخفاض نشاط موجات «مو» في المناطق الحسية الحركية من الدماغ لدى المشاركين في الدراسة. ويعد هذا الانخفاض مؤشرا معياريا على تنشيط النظام العصبي المرآتي.
وكلما ارتفع مستوى التعاطف لدى الشخص، زادت استجابته لتثاؤب الآخرين. فالأشخاص الذين يتأثرون بسهولة بمشاعر المحيطين بهم يكونون أكثر عرضة للتثاؤب استجابة لتثاؤب شخص آخر.
ويربط ذلك التثاؤب المعدي بالإدراك الاجتماعي، أي القدرة على فهم حالات الآخرين والاستجابة لها.
التثاؤب يبدأ قبل الولادة
في عام 2026، أعلن باحثون إيطاليون من جامعة بارما نتائج تجربة غير مألوفة، راقبوا خلالها 38 امرأة حاملا تتراوح أعمار الحمل لديهن بين 28 و32 أسبوعا.
شاهدت النساء مقاطع فيديو لأشخاص يتثاءبون، وأشخاص يفتحون أفواههم ببساطة، وآخرين يحافظون على تعابير وجه محايدة. وفي الوقت نفسه، تابع الباحثون سلوك الأجنة باستخدام التصوير بالموجات فوق الصوتية.
وأظهرت النتائج أن الأجنة كانت تتثاءب عندما تتثاءب أمهاتها، لكن الاستجابة لم تحدث مباشرة، بل ظهرت بعد نحو 90 ثانية.
ويتوافق هذا الفاصل الزمني مع المدة التي قد يستغرقها البالغون للاستجابة لتثاؤب شخص آخر.
وأطلق العلماء على هذه الظاهرة اسم «العدوى السلوكية قبل الولادة». وبما أن الجنين لا يرى أمه، فإن انتقال الإشارة لا يحدث عن طريق الرؤية، بل قد يرتبط بتغيرات فسيولوجية، مثل ضربات القلب والهرمونات والاهتزازات.
من الأشخاص الأقل تأثرا بالتثاؤب المعدي؟
لا تظهر ظاهرة التثاؤب المعدي لدى الأطفال منذ السنوات الأولى من حياتهم. فقبل بلوغ سن الرابعة، لا يستجيب الطفل عادة لتثاؤب الآخرين بالتثاؤب، حتى عندما تكون أمه هي التي تتثاءب.
وبحلول سن الرابعة أو الخامسة تقريبا، يرتفع معدل الاستجابة لهذه الظاهرة بصورة ملحوظة. ويتزامن ذلك مع تطور قدرة الطفل على فهم مشاعر الآخرين وتخيل نفسه في مواقفهم.
وفي بعض الحالات، قد تضعف الاستجابة للتثاؤب المعدي. فقد أكدت مراجعة منهجية نُشرت عام 2026 أن الأشخاص الذين يعانون اضطراب طيف التوحد أو الفصام، وكذلك الأشخاص الذين تظهر لديهم سمات سيكوباتية، يكونون أقل عرضة للتثاؤب استجابة لتثاؤب الآخرين.
وفي حالة التوحد، قد يرتبط ذلك باختلافات في توزيع الانتباه والتواصل البصري. فإذا نظر الشخص المصاب بالتوحد مباشرة إلى الشخص الذي يتثاءب، فقد تظهر لديه الاستجابة.
ويشير ذلك إلى أهمية الانتباه الاجتماعي، وليس التعاطف وحده، في حدوث هذه الظاهرة.
التثاؤب المعدي لدى الشمبانزي
لا تقتصر ظاهرة التثاؤب المعدي على البشر. ففي عام 2025، أظهر باحثون من جامعة جيرونا أن الشمبانزي قد يتثاءب عند مشاهدة نموذج آلي على هيئة إنسان يتثاءب، رغم أن هذا النموذج ليس كائنا حيا.
وكانت الاستجابة أقوى كلما فتح النموذج الآلي فمه على نطاق أوسع.
وتشير هذه النتيجة إلى أن الإشارة الاجتماعية قد تكون أهم من التشابه البيولوجي؛ إذ يستطيع دماغ الشمبانزي تفسير التثاؤب بوصفه إشارة مرتبطة بالراحة أو الاسترخاء.
هل التثاؤب معد حقا أم أن ذلك مجرد اعتقاد؟
الإجابة هي نعم، التثاؤب المعدي ظاهرة حقيقية، وتظهر لدى نسبة كبيرة من البشر، كما رُصدت لدى الشمبانزي والكلاب، وحتى الأسماك.
وترتبط هذه الظاهرة بالنشاط العصبي المرآتي، وبالتعاطف والانتباه الاجتماعي. وتبدأ الاستجابة لدى الأطفال عادة بعد سن الرابعة، بينما تشير دراسة إيطالية إلى احتمال ظهور أنماط مرتبطة بالتثاؤب المعدي قبل الولادة.
ومع ذلك، لا يتأثر الجميع بهذه الظاهرة، ولا تحدث الاستجابة في كل مرة. فالأشخاص المصابون بالتوحد أو الذين تظهر لديهم سمات سيكوباتية قد يكونون أقل عرضة للتثاؤب المعدي.
ولا يعني ذلك أنهم أقل حساسية لمشاعر الآخرين بالضرورة، بل قد يعكس اختلافات في الطريقة التي يوزع بها الدماغ الانتباه ويعالج الإشارات الاجتماعية.