يعتمد الدماغ على إمداد مستمر بالأكسجين، وقد تظهر مشكلات عندما تعجز الخلايا عن استخدام الأكسجين الذي يصل إليها بصورة صحيحة.
وفي إطار دراسة ما يحدث عندما يختل هذا التوازن، اختبر علماء نهجا غير متوقع على فئران تعاني أعراضا شبيهة بمرض باركنسون ، تمثل في تقليل كمية الأكسجين التي تصل إلى أنسجة الجسم.
وأصبحت الفئران التي تلقت مزيجا دوائيا تجريبيا أسرع في النزول على عمود، كما تمكنت من التعلق بغطاء القفص مدة أطول. وبدأ العلاج بعد ظهور مشكلات الحركة لديها بالفعل.
وأطلق الباحثون على هذا النهج وصف «نقص الأكسجين في حبة دواء»، لأنه يحاكي بعض التأثيرات التي تحدث عند استنشاق هواء منخفض الأكسجين.
كيف يؤثر مرض باركنسون في الدماغ؟
علاج مرض باركنسون (مصدر الصورة: Getty Images )
يتسبب مرض باركنسون في تلف خلايا الدماغ التي تنتج الدوبامين، وهو مادة كيميائية تساعد على تنظيم الحركة. ويرتبط المرض أيضا بتراكم بروتين يسمى ألفا سينوكلين.
ويمكن للأضرار المرتبطة بهذا البروتين أن تعطل عمل البنى الدقيقة المسؤولة عن إنتاج الطاقة داخل الخلايا، والمعروفة باسم الميتوكوندريا. وتستخدم هذه البنى الأكسجين للمساعدة في توليد الطاقة اللازمة لعمل الخلايا.
وقال الطبيب والباحث في كلية الطب بجامعة هارفارد، فامسي ك. موثا، لموقع ScienceAlert: «تتمثل فرضيتنا الحالية في أنه عندما يحدث خلل في وظيفة الميتوكوندريا، لا يُستهلك الأكسجين بصورة صحيحة، ما يؤدي إلى عدم تطابق بين كمية الأكسجين التي تصل إلى الأنسجة والكمية التي تستخدمها فعليا».
ويهدف الفريق، من خلال تقليل توصيل الأكسجين إلى الأنسجة، إلى الحد من هذا الاختلال والأضرار التي قد تنتج عنه.
دراسة سابقة اختبرت خفض الأكسجين
في دراسة نُشرت عام 2025، أظهر الباحثون أن الفئران التي تعاني أعراضا شبيهة بباركنسون استفادت من استنشاق هواء يحتوي باستمرار على 11% من الأكسجين، في حين تبلغ نسبته في الهواء العادي نحو 21%.
وفي الدراسة الجديدة، اختبر العلماء ما إذا كان من الممكن تحقيق تأثيرات مشابهة باستخدام الأدوية بدلا من خفض نسبة الأكسجين في الهواء المستنشق.
كيف يعمل المزيج الدوائي؟
استخدم هونغ وانغ وزملاؤه مركبين يعملان بصورة تكاملية، بحيث يكمل أحدهما تأثير الآخر.
المركب الأول، GBT601، يجعل الدم يحرر كمية أقل من الأكسجين إلى الأنسجة. ونظرا إلى أن الجسم قد يعوض انخفاض إمداد الأنسجة بالأكسجين من خلال إنتاج المزيد من خلايا الدم الحمراء الحاملة له، استخدم الباحثون المركب الثاني، PT2399، للحد من هذه الاستجابة التعويضية.
ويهدف الجمع بين المركبين إلى خفض توصيل الأكسجين إلى الأنسجة، مع الحد من استجابة الجسم التي قد تقلل من فعالية هذا التأثير.
تحسن الحركة بعد ستة أسابيع من العلاج
لإجراء التجربة، حقن العلماء ألياف بروتين ألفا سينوكلين في أدمغة الفئران، بهدف تحفيز تراكم البروتين وظهور صعوبات في الحركة.
وبعد ستة أسابيع، عندما كانت مشكلات الحركة قد ظهرت بالفعل، بدأ الباحثون إعطاء الفئران الأدوية عن طريق الفم يوميا.
وخلال الأسابيع الستة التالية، تحسن أداء الحيوانات التي تلقت العلاج في اختبارات النزول على العمود والتعلق بغطاء القفص. وفي المقابل، استمرت حالة الفئران التي تلقت الحقن السائل وحده، من دون محلول البروتين، في التدهور.
كما أدى المزيج الدوائي إلى خفض الكمية الزائدة من الأكسجين في الدماغ وتقليل أحد المؤشرات الحيوية المرتبطة بتلف الدهون في أنسجة الدماغ. لكنه لم يحسن نتيجة قياس السلوك الشبيه بالقلق.
وأوضح موثا أن التحسن قد يبدأ بالظهور خلال فترة تتراوح بين أسبوع وأسبوعين من بدء العلاج، سواء عند استنشاق هواء منخفض الأكسجين أو عند استخدام النهج الدوائي.
هل يعني تحسن الحركة استعادة الخلايا العصبية؟
لا يعني تحسن الحركة بالضرورة أن الخلايا العصبية التالفة قد استعادت وظائفها أو أن الخلايا المفقودة قد عادت.
وأوضح موثا أنه في تجربة عام 2025، كانت الفئران تعاني بالفعل مشكلات في الحركة عند بدء العلاج المتأخر، لكن الباحثين لم يرصدوا فقدانا للخلايا العصبية في تلك المرحلة.
واستعادت الفئران قدراتها الحركية، كما تجنبت فقدان الخلايا العصبية لاحقا، رغم أن تراكم بروتين ألفا سينوكلين لم يتغير.
ومع ذلك، لم تتضمن الدراسة الجديدة في متنها الرئيسي بيانات عن أعداد الخلايا العصبية المنتجة للدوبامين. ولذلك، لا تثبت النتائج ما إذا كان المزيج الدوائي يحمي هذه الخلايا تحديدا.
نتائج واعدة في نموذجين مرضيين آخرين
اختبر الفريق المزيج الدوائي أيضا في نموذجين آخرين للأمراض.
في النموذج الأول، استخدم الباحثون فئرانا تحاكي متلازمة لي، وهي اضطراب نادر يؤثر في إنتاج الطاقة داخل الخلايا. وأدى العلاج إلى زيادة متوسط العمر المتوقع، محسوبا بالوسيط، من 62 يوما إلى 158 يوما.
أما في النموذج الثاني، الذي يحاكي ترنح فريدريخ، وهو مرض يؤثر في الحركة والتنسيق الحركي، فقد أوقف المزيج الدوائي المزيد من التدهور، لكنه لم يعكس الصعوبات الموجودة بالفعل.
وتشير هذه النتائج إلى احتمال أن يكون النهج العلاجي مفيدا في بعض الاضطرابات المرتبطة بخلل إنتاج الطاقة داخل الخلايا، لكن ذلك يحتاج إلى مزيد من الدراسات لتحديد مدى فعاليته وحدود استخدامه.
هل العلاج آمن للاستخدام على البشر؟
بعد ستة أسابيع من العلاج، لم يرصد الباحثون لدى الفئران الضابطة ارتفاعا في أحد المؤشرات القلبية المرتبطة بارتفاع ضغط الدم الرئوي، وهو أحد المخاطر المحتملة للتعرض المطول لانخفاض الأكسجين.
ومع ذلك، لا تكفي هذه النتيجة وحدها لإثبات سلامة العلاج، خصوصا أن خفض الأكسجين قد يشكل خطرا على الجسم إذا لم يُضبط بعناية.
وحذر موثا قائلا: «يمكن أن يكون نقص الأكسجين خطيرا، ولذلك يتمثل أحد التحديات المهمة في التوصل إلى علاج يعتمد على نقص الأكسجين ويكون آمنا وفعالا».
وأضاف: «جميع أعمالنا حتى الآن تندرج ضمن الأبحاث ما قبل السريرية، وقد أُجريت على نماذج من الفئران، ولا يزال هناك الكثير من العمل المطلوب قبل الانتقال بهذا المفهوم إلى التجارب على البشر».
ونُشرت الدراسة في مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS)، وهي مجلة علمية متخصصة في نشر الأبحاث العلمية.
ملاحظة تحريرية: النتائج المذكورة مستمدة من تجارب على الحيوانات، ولا تعني أن هذا المزيج الدوائي علاج مثبت لمرض باركنسون لدى البشر.