مصدر نبضة راديوية سريعة يثير فضول العلماء بعد رصده نحو ألفي مرة خلال شهرين

علوم

استقبال إشارة مصدر نبضة راديوية سريعة جديدة نحو ألفي مرة خلال شهرين فقط

24 أيلول 2022

اكتشف باحثون إشارة جديدة غريبة عبر هوة الزمان والمكان. واكتُشف مصدر نبضة راديوية سريعة (FRB) في العام الماضي، وصدر عنه ما يصل إلى 1.863 نبضة على مدار 82 ساعة، خلال ما مجموعه 91 ساعة من الرصد.

وأتاح هذا السلوك شديد النشاط للعلماء تحديدَ المجرة التي تستضيف المصدر وبعدها عنا، إلى جانب تحديد ماهية المصدر.

مصدر النبضة الراديوية السريعة قد يكون أحد الوحوش الكونية

واكتُشف هذا المصدر، المسمى "FRB 20201124A"، باستخدام التلسكوب الصيني الراديوي الكروي ذي الفتحة البالغ ارتفاعها خمسمائة متر (تلسكوب FAST اختصاراً)، ووُصف في ورقة بحثية جديدة ترأسها عالم الفلك هينغ شو من جامعة بكين في الصين.

وتشير معظم الأدلة حتى الآن إلى أن مصدر انبعاثات FRB هو نجم مغناطيسي – أي نجم نيوتروني له مجالات مغناطيسية قوية للغاية.

وإذا كان FRB 20201124A حقاً أحد الوحوش الكونية الجامحة، فإنه يبدو مثالاً استثنائياً عنها، إذ قال عالم الفيزياء الفلكية بينغ زانغ من جامعة نيفادا في لاس فيغاس: "ردتنا هذه الملاحظات الرصدية إلى لوحة الرسم".

وأضاف: "من الواضح أن انبعاثات FRB أكثر غموضاً مما تخيلنا. وعلينا زيادة عدد عمليات الرصد متعددة الأطوال الموجية للكشف عن طبيعة هذه الأشياء".

المصدر الجديد قد يكون نجماً مغناطيسياً

ظلت النبضات الراديوية السريعة مصدر حيرة لعلماء الفلك منذ اكتشافها لأول مرة قبل 15 عاماً، فقد أشارت البيانات المؤرشفة التي يعود تاريخها إلى عام 2001 إلى انبعاث راديوي هائل القوة يدوم طرفةَ عين.

واكتشف منذ ذلك الحين مزيد من هذه النبضات، بينها نبضات راديوية مدتها ميلي ثانية [جزء من الألف من الثانية]، والتي تطلق في تلك المدة القصيرة جداً قدراً من الطاقة يكافئ نحو 500 مليون شمس.

ومعظم مصادر النبضات المشابهة المسجلة نبضت مرة واحدة فقط، ما يجعلها دراستها صعبة (ناهيك عن فهمها). ولم يكتشف إلا عدد قليل جداً من النبضات المتكررة، لكنها ساعدت العلماء على الأقل في تحديد المجرات المستضيفة لها.

وحدث في عام 2020 فتح علمي، إذ رصدت لأول مرة نبضة راديوية سريعة داخل مجرة درب التبانة - ما أتاح أمام علماء الفيزياء الفلكية تتبع هذه الظاهرة وإسنادها إلى نشاط نجم مغناطيسي.

وهذا المثال الاستثنائي الأخير من نبضات FRB هو مثال آخر على مصدر نبضات متكررة نادر. فخلال عمليات رصد دامت لأقل من شهرين، قدم FRB 20201124A لعلماء الفلك أكبر عينة من بيانات النبضات الراديوية السريعة بموجات مستقطبة أكثر من أي مصدر FRB آخر.

ويشير الاستقطاب إلى اتجاه موجات الضوء في الفضاء ثلاثي الأبعاد. ومن خلال فحص مدى تغير هذا الاتجاه منذ مغادرة الضوء مصدره، بإمكان العلماء فهم البيئة التي مر من خلالها. فعلى سبيل المثال، يشير الاستقطاب القوي إلى وجود بيئة مغناطيسية قوية.

واستناداً إلى وفرة البيانات التي قدمها FRB 20201124A، تمكن علماء الفلك من استنتاج أن المصدر هو نجم مغناطيسي.

لكنهم لاحظوا أمراً غريباً، إذ تشير الطريقة التي تغير بها الاستقطاب بمرور الوقت إلى أن قوة المجال المغناطيسي وكثافة الجسيمات حول النجم المغناطيسي كانت في حالة تذبذب.

وأوضح زانغ: "أُشبّه الأمر بتصوير فيلم سينمائي عن محيط مصدر FRB، ويكشف هذا الفيلم عن بيئة ممغنطة معقدة ومتطورة ديناميكياً لم تكن متخيلة من قبل".

وأضاف "ولم نتوقع بصراحة وجود بيئة كهذه لدى نجم مغناطيسي معزول. لربما هناك شيء آخر بجوار مولد FRB، لعلّه نجم ثنائي".

تشير البيانات إلى أن هذا الجار قد يكون نجماً ساخناً أزرق اللون من النوع "Be"، والذي يوجد غالباً لدى جيران النجوم النيوترونية. ووضع الدليل على ذلك في ورقة منفصلة، ترأسها عالم الفلك فايين وانغ من جامعة نانجينغ في الصين.

ولكن لوحظ أمر غريب آخر أيضاً، فالنجوم المغناطيسية، كونها نوع من أنواع النجوم النيوترونية، هي النوى المنهارة للنجوم الضخمة التي تنهار تحت تأثير جاذبيتها بعد نفاد وقودها الذي يؤمن الاحتراق والضغط المتجه إلى الخارج.

وتستهلك هذه النجوم وقودها بسرعة، وحياتها قصيرة، فتقذف أثناء انهيار النواة مادتها الخارجية بشكل مستعر أعظم.

ونظراً لأن حياتها قصيرة جداً، يظن العلماء أن هذه النجوم المغناطيسية الصغيرة توجد في المناطق التي لا تزال تتشكل فيها النجوم. وتعيش النجوم حياتها القصيرة وتموت، مشكلة مزيداً من سحب المواد لتلد نجوماً أخرى. وهذه دورة حياة كونية جميلة.

لكن عثر العلماء على FRB 20201124A في مجرة تشبه مجرة درب التبانة إلى حد كبير. ولا تتشكل النجوم في مجرتنا إلا قليلاً منها، لذلك لا ينبغي أن تزيد نسبة النجوم المولودة بالقرب من جار المصدر الجديد لـ FRB أيضاً.

والجدير بالذكر أن FRB 20201124A ليس مصدر FRB الوحيد الموجود في مجرة تكاد تخلو من عمليات تشكل النجوم.

يشير هذا العدد المتزايد إلى افتقارنا إلى بعض المعلومات الجوهرية، وإلى بعض الثغرات في فهمنا للنجوم المغناطيسية الباعثة لنبضات FRB، وكيف تتشكل، والمواقع التي توجد فيها.

لكن توصيف المصدر يعني أن لدينا مكاناً جديداً للبحث عن إجابات. ويقترح العمل الذي أداه وانغ وزملاؤه أن النجوم الثنائية النيوترونية من نوع Be قد تكون إحدى أفضل الأماكن للبحث عن إشارات سريعة تشبه النبضات الراديوية.

Nature - Nature Communications