نقلت الإعلامية خديجة البزال لصحيفة مناطق نت الإلكترونية رواية الطفل الناجي من غطرسة مهربي البشر على الحدود بين لبنان وسوريا تلك الواقعة التي هزت مواقع التواصل الاجتماعي وشغلت الرأي العام وقوى الأمن اللبناني لساعات شابهت ساعات عذاب طفلان محمد (6سنوات) وأيهم (5 سنوات)، وسيدتان، الأم وهي بسمة (26 عاما)، ورفيقتها في رحلة الموت هبة (26 عاما)، جميعهم من اللاجئين السوريين، لا يعلم إلا الله ما جرى معهم في ساعات ما بعد منتصف ليل الأربعاء الخميس.
بدأت القصة بتغريدة محافظ بعلبك الهرمل بشير خضر أول من أمس على تويتر، عندما أفاد بالعثور على أربعة جثث في الجرود قضوا بالصقيع، وكان قد مضى على المأساة أكثر من 72 ساعة.
تفاصيل كثيرة غامضة شابت القصة ليستمر السؤال، وهو: ما الذي حدث؟ الحقيقة الكاملة لم تتضح، وبعض منها لن يتضح أبداً، خصوصاً ما هو في عهدة الموتى. وكل ما تداوله الإعلام منذ الإعلان عن المأساة، لا يؤدي إلى رواية مكتملة، مع أن ما فيه يكفي لإدانة أو لتجريم المهربين والسلطات اللبنانية والسورية ومعهم الأمم المتحدة، وأيضا المجتمع اللبناني برمته الذي لا يترجم عواطفه ومشاعره المتضامنة والصادقة مع ضحايا مثل هذه الجرائم إلى سياسات وإجراءات تدافع عن فئات ضعيفة هي في ضيافته، حسب قول الصحيفة.
لتروي لنا كاتبة المقال نقلا عن المفجوع الأول من الحادثة أحمد ن (سوري) والذي يعمل ناطوراً في إحدى بنايات الأشرفية كان مضطراً إلى إرسال زوجته بسمة إلى سوريا بقصد العلاج، كون أوضاعه المادية لا تمكنّه من دفع تكاليف علاجها في لبنان، ولا يستطيع الإفادة من العلاجات المجانية التي توفرها الأمم المتحدة للاجئين في بيروت، لعدم حيازة بسمة الأوراق والمستندات التي تؤكد أنها لاجئة.
ومع صعوبة تحقيق الشرط الجزائي لدخول الأراضي السورية بالطرق الشرعية بتكلفة رسم الـ100 دولار للعائدين، وجد أحمد نفسه مضطرا لإرسال زوجته بطرق غير شرعية خاصة بعدما وجد نفسه عاجزاً عن دفع بدل فحص الـ PCR الذي يشترطه الأمن العام اللبناني، فاستقر رأيه على الاستعانة بالعاملين على خطوط التهريب بين لبنان وسوريا (أرقام هواتفهم يجري تداولها علناً ومعروفون بالأسماء)، ويسيطرون على معابر غير شرعية ويضعون تسعيرات للداخلين والخارجين تتراوح بين المليون والمليون ونصف المليون ليرة لبنانية.
في الساعة التاسعة من صبيحة يوم الأربعاء الماضي يحضر مهدي. س (المطلوب بمذكرات بحث وتحرٍ) إلى بيروت لنقل بسمة وأولادها الثلاثة (محمد وأيهم وصغيرهم ابن الثلاث سنوات) إضافة إلى سيدة سورية أخرى اسمها هبة، ويتجه بهم إلى جرود الهرمل للعبور بهم إلى الضفة السورية. وعلى ما يُفهم من أقوال الأب لـ “مناطق نت”، أنه كان على تواصل مع زوجته خلال الرحلة، وآخر إتصال تلقاه منها، كان في منتصف الليل، وفيه قالت بسمة لزوجها أنها وأولادها يكادون أن يتجمّدوا من شدّة الصقيع.
اشارات استفهام كثيرة لم يجب عنها الأب المفجوع، فقد كان في حالة يُرثى لها وغير قادر على لملمة نفسه لمواجهة الفاجعة، لتتابع مسارات القصة من شهادات أخرى.
وبحسب المعلومات أن سيارة مهدي س الرباعية الدفع والتي على متنها الركاب، أصابها عطل ميكانيكي وتوقفت عن السير وسط العاصفة، ما استدعى من مهدي الاستنجاد بشقيقه ليساعده على إنجاز الرحلة وتسليم الركّاب إلى شخص آخر على الحدود السورية، استجاب الشقيق لطلب مهدي وحضر إلى المكان المقصود، ثم طلب من الركاب الانتقال إلى سيارته على أن يبقى الطفل الأصغر (ابن الـ 3 سنوات) مع مهدي بسيارته المعطلة.
الجهات التي تتولى التحقيق مع المهربين قادرة على تفسير تصرف شقيق مهدي لجهة استثناء الطفل الأصغر من متابعة الرحلة، وهو الاستثناء الذي كفل لهذا الطفل البقاء حيّا، لينقل ما جرى في تلك اللحظات، بأن أمه كانت تريد أن يبقى معها، لكنها تعرضت لصفعة من المهرب، ما أرغمها على ترك طفلها والانصياع لطلبه.
وهنا سؤال آخر، وهو كيف علم الدفاع المدني بوجود عالقين في الجرود؟
بحسب الأقاويل المتداولة أن شقيق مهدي عجز أيضاً عن بلوغ الحدود السورية لتسليم الركاب بسبب تراكم الثلوح، وهو ما يفسّر اتصال مواطن بالدفاع المدني في البقاع الشمالي يطلب فيه المساعدة وإنقاذه مع شقيقه بعدما علقت سيارتهما في جرود منطقة عيناتا.
ليكون السؤال هنا هل الاتصال بالدفاع المدني طلبا للنجدة اشتمل أيضاً المساعدة على البحث عن الطفلين والسيدتين؟ أم أن الدفاع المدني تأكد من وجود مفقودين عن طريق الطفل الصغير الذي جرى تسليمه لوالده؟ ومن سلّمه؟ وهل هناك أشخاص غير مهدي وشقيقه مشاركين بعملية التهريب؟ فبعض ما يجري تداوله، أنه “بينما كانت عناصر الدفاع المدني تبحث عن الطفل الصغير في جرود عيون أرغش، تلقت القوى الأمنية إتصالاً يفيد بأنه أصبح مع والده في بيروت، الأمر الذي يؤكد بحسب المصادر الأمنية أن مهدي س. لم يكن بمفرده في الجرود بل كان معه أشخاص آخرون تمكنوا من الهرب قبل إشتداد العاصفة ومعهم الطفل الثالث وتم إيصاله الى مكان إقامة والده في بيروت، وهذا ما تتركز عليه التحقيقات التي يتولاها فرع المعلومات في قوى الامن الداخلي”.
لتبقى جثث ضحايا التهريبراقدة في مستشفى بعلبك الحكومي، تنتظر مثواها الآخير حاملة معها خفايا القصة الغامضة التي لا يعرفها إلا من عاش تفاصيلها بين المهربين الذيت لابد ان الدولتين على الحدود عجزت عن ردعهم عما يقمون به.
المصدر: مناطق نت