دور الحمض النووي في تطور البشر وتكيفهم مع البيئات الباردة

كيف ساهم الحمض النووي في تكيف الإنسان مع البرودة والبقاء على قيد الحياة ؟ كيف ساهم الحمض النووي في تكيف الإنسان مع البرودة والبقاء على قيد الحياة ؟

كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة واشنطن في سانت لويس عن آلية جديدة في الغلاف الجوي تنتج عدداً كبيراً من الجسيمات الدقيقة ووفقاً لنظرية "الخروج من أفريقيا" نشأ الإنسان العاقل في أفريقيا وهاجرت مجموعة صغيرة منه إلى خارج أفريقيا منذ حوالي 70,000 سنة، اليوم جميع البشر تقريباً خارج أفريقيا هم من نسل هؤلاء الرحالة الأوائل.

 كيف ساعدت أفريقيا في تطور الإنسان؟

كانت أفريقيا ملاذاً للبشر الأوائل، حيث حمتهم من البرد الشديد خلال العصور الجليدية المتكررة وتأقلم البشر الأوائل مع المناخ الحار في أفريقيا بفقدان شعر الجسم الكثيف، مما ساعدهم على تبديد الحرارة أثناء الركض في السهول العشبية بشرق أفريقيا ، ومع ذلك عند مغادرتهم أفريقيا، واجهوا تحدي البقاء دافئين في المناخات الباردة. هل يمكن أن تكون هناك بقايا في حمضنا النووي تعكس كيفية تكيف أسلافنا مع هذه البيئات القاسية؟

الحمض النووي: مفتاح لفهم تكيف البشر مع البرودة

قدمت دراسات الارتباط الجينومي الشامل (GWAS) فهماً كبيراً لجينات الأمراض وتطور الإنسان  ، في عام 2007 حدد الباحثون مجموعة من التعددات النوكليوتيدية المفردة (SNPs) في جين FTO كانت مرتبطة بشدة بخطر السمنة، ولكن لم يكن واضحاً إذا كانت هذه التعددات تسبب السمنة بشكل مباشر.

التكيف مع البرودة: اكتشافات رئيسية في الأبحاث الجينية

في عام 2015 نشرت دراسة رائدة في مجلة "نيو إنجلاند" الطبية حددت متغيراً محدداً، rs1421085 T>C، داخل مجموعة SNP لجين FTO هذا المتغير عرقل تعبير جين UCP1، وهو جين مهم للتوليد الحراري، مما قلل من قدرة الخلايا الدهنية البشرية البيجية على التوليد الحراري. على الرغم من أن هذا بدا وكأنه يفسر دور متغيرات FTO في السمنة، لم يكن هناك دليل مباشر في الجسم الحي.

الحمض النووي يكشف تحديات جديدة للاكتشافات السابقة

في عام 2023 تحدت دراسة في مجلة "نيتشر ميتابوليزم" هذه النتائج. وجد الباحثون أن الفئران الحاملة للأليلات CC للمتغير rs1421085 كانت لديها قدرة توليد حراري معززة في الأنسجة الدهنية البنية (BAT) وكانت أكثر مقاومة للسمنة الناجمة عن النظام الغذائي عالي الدهون ، عند تعرضها لدرجات حرارة باردة، حافظت هذه الفئران على درجة حرارة جسم أعلى بـ 6 درجات مئوية مقارنة بالفئران الحاملة للأليلات TT، مما يشير إلى أن المتغير rs1421085 T>C قد يكون مرتبطاً بالتكيف مع البرودة.

 دراسة بشرية لفهم التكيف مع البرودة

للاستكشاف أكثر أجرى الباحثون دراسة نُشرت في مجلة "لايف ميتابوليزم" باستخدام عينات من الأنسجة الدهنية البنية البشرية للأجنة. وجدوا أن حاملي الأليلات TC لديهم تعبير أعلى لجين UCP1 في الأنسجة الدهنية البنية مقارنة بحاملي الأليلات TT، مما يتفق مع الدراسات على الفئران. قاد هذا الباحثين إلى التكهن بأن المتغير rs1421085 T>C قد تم اختياره إيجابياً للتكيف مع البرودة في تطور الإنسان. 

تأثير التغيرات البيئية على تطور الإنسان

على مدى 100,000 سنة الماضية هاجر البشر من المناطق الاستوائية إلى المناطق الباردة، مما واجههم بتحديات بيئية جديدة. على سبيل المثال، لدى شعب الإنويت في القطب الشمالي تكيفات جينية في جين FADS المرتبطة بنظامهم الغذائي الغني بأوميغا-3. وبالمثل، قد يكون المتغير rs1421085 T>C قد تم اختياره لمقاومة البرودة. وجد الباحثون علاقة عكسية بين تردد الأليل C ودرجات حرارة سطح الأرض في يناير، مما يشير إلى أن الأماكن الأكثر برودة تحتوي على تردد أعلى لهذا المتغير.

 استنتاجات وأهمية البحث في تطور الإنسان

تسلط هذه الدراسة الضوء على المتغير الوظيفي في جين FTO، rs1421085 T>C، كأول موقع يُثبت تعزيز التوليد الحراري البشري والتكيف مع البرودة. قد تكون هذه التكيفات الجينية قد قدمت مزايا بقاء كبيرة في المناخات الباردة، خاصة للأطفال الرضع. لقد كشفت الأبحاث التي استمرت لعقد من الزمن في جينات السمنة أن الإشارات الجينية التي تؤثر على سمات الإنسان الحديث قد بدأت عندما هاجر البشر لأول مرة من أفريقيا. بينما تظل رحلة اكتشاف تاريخنا الجيني معقدة ومستمرة، يقدم هذا البحث لمحة عن كيفية مواجهة أسلافنا للبيئات القاسية، مما شكل التنوع السكاني الذي نراه اليوم. يدعونا حمضنا النووي، مثل الرسوم الصخرية القديمة، إلى مواصلة استكشاف وفهم ماضينا.