شهدت الولايات المتحدة مع بداية يوليو 2025 موجة من الفيضانات المفاجئة التي أودت بحياة المئات، في حوادث صادمة امتدت من تكساس إلى نيويورك ونيو مكسيكو والعاصمة واشنطن، ففي تكساس وحدها تسببت الأمطار الغزيرة في مقتل أكثر من 130 شخصا، من بينهم أطفال كانوا في معسكر صيفي، وكذلك غمرت السيول شوارع نيويورك، وأدت إلى غرق أشخاص داخل سياراتهم، ومع تسجيل عدد قياسي من التحذيرات من الفيضانات المفاجئة، أكد خبراء الأرصاد أن هذه الحوادث لم تعد استثناء، بل أصبحت السمة المتكررة للمناخ الأميركي الجديد، ما يستدعي إعادة تقييم شاملة للبنية التحتية ومدى جاهزيتها لمواجهة الكوارث المناخية المتسارعة.
العلاقة بين حرارة الجو واحتجاز الرطوبة والانحباس المطري
ويرتبط هذا التصاعد في الفيضانات والجفاف بآلية فيزيائية تعرف بعلاقة "كلاوسيوس-كلابييرون"، والتي تنص على أنه كلما ارتفعت درجة حرارة الغلاف الجوي زادت قدرته على احتجاز بخار الماء، وهذا يعني أن الجو الأكثر دفئا يعمل مثل إسفنجة أكبر تمتص المزيد من الرطوبة وتفرغها دفعة واحدة، مسببة هطولات غزيرة ومفاجئة، في المقابل عندما لا تمطر تحتفظ هذه "الإسفنجة الجوية" بالرطوبة لفترة أطول، ما يؤدي إلى موجات جفاف أطول وأقسى.
وبالفعل أظهرت البيانات أن كل زيادة بدرجة واحدة فهرنهايت في حرارة الجو تسمح باحتباس 4% إضافية من بخار الماء، ما يساهم في كل من تمدد فترات الجفاف، وتكثيف شدة الفيضانات عند تفريغ الرطوبة، وبحسب الإحصاءات فإن الولايات الشرقية والوسطى للولايات المتحدة شهدت ارتفاعا بنسبة 55% و42% على التوالي في شدة الهطولات منذ عام 1958، وهو ما يفسر بهذا التوسع في قدرة الغلاف الجوي على حمل المياه.
ظاهرة "الارتداد الهيدرومناخي"ظاهرة "الارتداد الهيدرومناخي"
والمفارقة المقلقة أن بعض المناطق التي غرقت بمياه الفيضانات كانت حتى وقت قريب تعاني من جفاف حاد، مثل وسط تكساس، فعلى سبيل المثال كانت مقاطعة كير تعاني من جفاف استثنائي قبل 3 أيام فقط من هطول أكثر من 10 بوصات من الأمطار، ما أدى إلى فيضانات جارفة.
إن هذه الظاهرة تعرف علميا باسم "الارتداد الهيدرومناخي" أو Hydroclimate Whiplash، وهي الانتقال السريع من جفاف قاس إلى أمطار كارثية، ويفسر العلماء هذه الظاهرة من خلال التغير السريع في درجات الحرارة العالمية، حيث تؤدي موجات الحرارة إلى تجفيف التربة، ثم تأتي عاصفة شديدة لا تجد الأرض القاحلة القدرة على امتصاص المياه، فتتحول الأمطار إلى سيول جارفة.
وتشير الدراسات إلى أن هذه التحولات المفاجئة باتت أكثر شيوعا مع تسارع الاحتباس الحراري، ما يضع تحديا حقيقيا أمام أنظمة الطوارئ والبنية التحتية الحضرية، خصوصا في الولايات غير المعتادة على كوارث من هذا النوع.
التمويل المناخي ضرورة عاجلة لمواجهة كوارث الطقس المتطرف
يمثل شهر يوليو الماضي إنذارا واضحا على فشل الاستعدادات المناخية في الولايات المتحدة، إذ كشفت الكوارث الأخيرة عن ثغرات خطيرة في إدارة الطوارئ.
فعلى الرغم من التحذيرات العلمية الطويلة الأمد، فإن وكالات مثل FEMA والإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي NOAA تعاني من نقص التمويل والكوادر نتيجة تخفيضات سابقة في الميزانية.
وفي ظل تحول ظواهر الطقس القصوى إلى نمط متكرر، يدعو الخبراء إلى استثمار عاجل في النماذج المناخية ومراكز الإنذار المبكر، وتمويل برامج مثل Atlas 15 لتحديث خرائط مخاطر الفيضانات، فضلا عن دعم مباشر لصندوق الطوارئ الفيدرالي، ومن دون تحرك سريع وحازم، فإن خسائر الأرواح والممتلكات مرشحة للتفاقم في السنوات القادمة.