طور فريق بحثي من جامعة إقليم الباسك، بالتعاون مع جامعة ووهان والأكاديمية الصينية للعلوم، مادة خشبية مبتكرة أطلقوا عليها اسم "بيوسترونغ وود"، تتميز بقوة ميكانيكية تفوق الفولاذ المقاوم للصدأ، واستوحى العلماء فكرتهم من عمليات تحجر الخشب الطبيعية، واستخدموا مزيجا من المعالجات الميكانيكية والكيميائية والبيولوجية لتعديل البنية الداخلية للخشب.
ونجح الفريق في تطوير هذه المادة العضوية لتكون بديلا واعدا للمواد التقليدية المستخدمة في البناء، وذلك بفضل متانتها الفائقة وقدرتها العالية على احتجاز الكربون، ما يجعلها خيارا مستداما في مواجهة التحديات البيئية والاقتصادية والتغيرات المناخية.
تطبيقات واسعة وبديل للمواد الأحفورية
أثبت الفريق البحثي أن الطريقة الجديدة قابلة للتطبيق على أنواع متعددة من الخشب، ما يفتح الباب أمام تطوير مواد عضوية عالية الأداء يمكن أن تحل مستقبلا محل المواد ذات الأصل الأحفوري، مثل الراتنجات الحرارية واللدائن عالية الأداء، التي تتسبب في أضرار بيئية واجتماعية متزايدة.
أوضح الدكتور إيرلانتز ليزونيديا الأستاذ المساعد في قسم التصميم الهندسي بجامعة إقليم الباسك وأحد المؤلفين الرئيسيين للدراسة، أن الخشب يعد من أكثر المواد الحيوية توفرا، لكنه لم يستغل بعد بالشكل الكافي في التطبيقات الصناعية المتقدمة.
وأشار إلى أن المادة الجديدة تجمع بين الأداء الميكانيكي العالي والجدوى الاقتصادية، فضلا عن قدرتها الكبيرة على احتجاز الكربون، وأكدت نتائج الدراسة أن استخدام هذه المادة يساهم في إنتاج بدائل مستدامة يمكن أن تلعب دورا محوريا في تقليل الاعتماد على المواد الصناعية الملوثة، كما يعزز من فرص التحول نحو الاقتصاد الدائري والمواد المتجددة، ويعد هذا الابتكار نقلة نوعية في استخدام الموارد البيولوجية، خصوصا في ظل السعي العالمي إلى تقليل البصمة الكربونية.
الخشب متانة فريدة ومقاومة للظروف القاسية
اعتمد الفريق على استخدام فطريات تتغذى على الخشب، بالتزامن مع معالجات ميكانيكية وكيميائية متقدمة، ما سمح بإعادة تشكيل البنية الجزيئية للعناصر المكونة للخشب، وتعزيز صلابته إلى مستويات غير مسبوقة.
وأظهرت التجارب أن الخشب المعالج يتمتع بمقاومة عالية للرطوبة والحرارة والصدمات الحرارية الشديدة، وتتراوح من درجات تحت الصفر تصل إلى -196 درجة مئوية وحتى 120 درجة مئوية.
كما بينت اختبارات الشد والتي تقيس قدرة المادة على تحمل التمدد قبل الانكسار، أن هذه المادة تتجاوز في متانتها الفولاذ المقاوم للصدأ المعروف باسم SAE 304، وهو سبيكة باهظة الثمن تحتوي على معادن نادرة وسامة مثل الكروم والنيكل.
وبالإضافة إلى متانته أثبتت الدراسة أن هذا الخشب يمكن أن يلعب دورا مهما في احتجاز الكربون، ما يجعله خيارا بيئيا ممتازا، وبذلك لا تقتصر أهمية "بيوسترونغ وود" على الأداء الفني، بل تشمل أيضا المساهمة في تقليل الانبعاثات الكربونية وتعزيز الاستدامة البيئية، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد بشكل كبير على المواد التقليدية الملوثة.
مستقبل مستدام بمواد متجدد
وتضمنت الدراسة أيضا تقييما دقيقا لدورة حياة المادة وتكاليفها الاقتصادية، ما أكد أن عملية التصنيع قابلة للتوسيع والتطبيق العملي على نطاق واسع. كما أثبت الباحثون أن الخشب الجديد يتمتع بقدرة عالية على احتجاز الكربون، مما يمنحه قيمة مضافة كخيار بيئي طويل الأمد.
ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لتوسيع نطاق تطبيق التقنية على أنواع أخرى من المواد الحيوية، يشكل هذا الإنجاز خطوة متقدمة في تطوير مواد دائرية ومستدامة قادرة على استبدال المواد غير المتجددة ذات الأثر البيئي السلبي.
ويفتح هذا الابتكار الباب أمام مستقبل جديد في مواد البناء والصناعة، حيث يمكن استغلال مصادر طبيعية متوفرة بكفاءة عالية، ما يعزز استقلالية الموارد ويقلل من الاعتماد على المواد المستوردة أو السامة، في إطار رؤية أوسع لتحقيق اقتصاد أكثر استدامة.