النمل يعالج الجروح ببتر أرجل زملائه المصابين لمنع انتشار العدوى وإنقاذ حياتهم

سلوك غريب يكشف عبقرية النمل الطبية سلوك غريب يكشف عبقرية النمل الطبية

توصل باحثون ألمان إلى أن النمل النجّار (Carpenter ants) يمتلك سلوكا فريدا لإنقاذ حياة زملائه المصابين — إذ يقوم ببتر الأرجل المصابة لمنع انتشار العدوى إلى بقية الجسم. هذه العملية الجراحية العفوية تضاعف فرص بقاء النملة المصابة على قيد الحياة، بحسب الدراسة المنشورة في مجلة Proceedings of the Royal Society B.

دراسة علمية من جامعة فورتسبورغ

أجرى علماء من جامعة يولياس وماكسيميليان في فورتسبورغ (ألمانيا) بحثا معمقا حول سلوك النمل النجّار عندما يتعرض أحد أفراده لإصابة في الساق.

وقد لاحظ الباحثون أن هذه النملة لا تُترك لمصيرها، بل يتدخل زملاؤها بسرعة مذهلة، ليقوموا بعملية بتر دقيقة عند مستوى الكتف تقريبا، مستخدمين فكوكهم القوية.

النمل النجّار

الهدف من هذه العملية ليس القسوة، بل منع العدوى من الانتشار داخل الجسم — وهو ما يعد سلوكا تطوريا متطورا يحاكي في جوهره الممارسات الطبية الحديثة.

لماذا يلجأ النمل إلى هذا الحل الجذري؟

توضح الدراسة أن العديد من الحيوانات لديها استراتيجيات للعناية بالجروح:

فالثدييات تلعق جروحها لتنظيفها.

والقرود تستخدم نباتات ذات خصائص مطهرة.

أما النمل الإفريقي من نوع "ماتابيلي"، فينتج مواد مضادة للميكروبات لمداواة المصابين.

لكن النمل النجّار يتّبع نهجا أكثر حزما: لا يتحقق مما إذا كانت هناك عدوى أم لا، بل يقطع العضو المصاب فورا، هذه الخطوة الاستباقية تحمي المستعمرة من تفشي المرض، خصوصا أن النمل يعيش في بيئات مكتظة حيث يمكن لأي عدوى أن تنتشر بسرعة هائلة.

الحفاظ على المستعمرة أولا

يشير العلماء إلى أن هذا السلوك لا يهدف فقط لإنقاذ الفرد، بل هو استراتيجية بقاء جماعية تحافظ على صحة المستعمرة بأكملها.

فعندما تُصاب نملة بعدوى داخلية، تصبح مصدر خطر على بقية أفراد المستعمرة، لذا يكون البتر المبكر حلاً وقائيا فعالا.

ويُعد هذا السلوك انعكاسا لمستوى متقدم من التنظيم الاجتماعي في عالم الحشرات، حيث يتم تغليب مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد.

أبحاث مستقبلية لفهم أعمق

يخطط فريق الباحثين في المراحل المقبلة إلى مقارنة سلوك أنواع مختلفة من النمل، وخاصة تلك التي تستخدم مزيجا من البتر والعلاج الكيميائي الطبيعي.

الهدف هو تحديد الأسباب التطورية التي جعلت النمل النجّار يتبنى هذه الطريقة الجذرية بدلا من الوسائل الأخرى.

قد تسهم هذه الأبحاث مستقبلا في ابتكار طرق جديدة لعلاج العدوى أو الوقاية منها مستوحاة من عالم الحشرات.

درس من الطبيعة في التضحية والعلاج

يكشف هذا الاكتشاف المذهل عن جانب مدهش من الذكاء الجمعي لدى النمل، إذ يمارس ما يشبه الجراحة الطبية بدقة مذهلة وغريزة تطورية خارقة.

قد يكون هذا السلوك البسيط في ظاهره بوابة لفهم أعمق لآليات الشفاء والتعاون في الطبيعة — ودليلا على أن حتى أصغر الكائنات قد تحمل في تصرفاتها دروسًا للبشرية في الطب والتضحية الجماعية.