ملابسات اعتقال خالد العبود ومصيره المجهول تثير التساؤلات عن وعود السلطة في دولة القانون

ندى درغام
ملابسات اعتقال خالد العبود ومصيره المجهول تثير التساؤلات عن وعود السلطة في دولة القانون ملابسات اعتقال خالد العبود ومصيره المجهول تثير التساؤلات عن وعود السلطة في دولة القانون

أثار اعتقال خالد العبود العضو السابق في مجلس الشعب السوري منذ أكثر من خمسة أشهر، الكثير من التساؤلات حول مصيره وسط صمت رسمي يعزز قلق أهله ومحبيه، ويزرع الخوف أيضا في نفوس السوريين حول مستقبل بلدهم الذي وعدت السلطة الجديدة بأن يكون العدل فيه أساس الحكم.

ففي وقت سابق من أيار/ مايو الماضي، أعلنت قناة العربية في تقرير لها خبر اعتقال عضو مجلس الشعب السوري السابق خالد العبود المنحدر من محافظة درعا، والذي عرف بتحليله السياسي ودعمه للنظام السابق.

ورغم أن قناة العربية نصبت نفسها كناطقة باسم السوريين حينما ختمت تقريرها آنف الذكر بالزعم بأن اعتقال العبود يأتي ضمن مطالب الشارع السوري لمحاكمة كل من دعم نظام الأسد لقتل السوريين خلال السنوات السابقة، إلا أن ذلك لا يعدو كونه رأيا إعلاميا أبعد ما يكون عن تعقيدات السياق السوري وما يراه السوريون من جرائم تستحق المحاسبة وما هو غير ذلك، فكيف إن كان المقصود داعما بالكلمة والرأي والتحليل ومثله الكثير، وكأن المراد أن يعاقب كل مواطن بقي تحت سلطة النظام السابق أو أدلى بتصريح أو نشر دعما أو تأييدا، إضافة لكون اعتقال العبود وتغييبه الكامل وعدم السماح لأهله بمعرفة مصيره أو التواصل معه يخالف تصريحات الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع بشأن ضرورة العفو والعدالة التي تبنى على القانون وأن القضاء هو الضامن لحقوق الجميع.

وقد ردت حينها ابنة خالد العبود السيدة مينا عبر صفحتها الشخصية على فيسبوك، على تقرير العربية الذي ربط اعتقال خالد العبود بكونه محللا سياسيا داعما للنظام السابق، بالقول: "إذا كان الفكر الحر والتحليل السياسي والآراء الخاصة هي تُهم فنحن نفتخر بها، وخاصة بأن والدي لم يكن له مشاركة بأي قطرة دم وعلى العكس تماما فأبي ساعد كثير من السوريين في حقن دماء أبنائهم."

وبينت مينا العبود في منشورات لاحقة بأن عائلتها عمدت إلى مساعدة كل من كانوا يطرقون أبوابهم وكان مكتب والدها مفتوح دائما لمساعدة أهالي الشهداء والمعتقلين، إلا أنهم بعد خمسة أيام على اعتقال الأمن العام السوري لوالدها لم تصلهم أي معلومة عنه.

ورسم خبر اعتقال العبود علامات استفهام كثيرة حول مستقبل عدد كبير من السوريين الذين كانوا تحت سلطة نظام سابق وبرزوا كمدافعين عنه أو أيدوه في العلن، فمَثل حال خالد العبود مَثل الكثيرين من وزراء ونواب وسياسيين واقتصاديين وإعلاميين ورجال أعمال وموظفين حكوميين، ليطرح هذا الاعتقال سؤالا حول ما إذا كانت محاسبة الإنسان تتم لمجرد إبداءه رأيا ما أو تحليلا سياسيا معينا رغم عدم مشاركته في أي عمل عسكري ولم تتلطخ يديه بالدماء، كحال خالد العبود الذي عبر سابقا بالكلمة فقط فكان مصيره الاعتقال اليوم.

كما طرحت ملابسات الاعتقال أيضا تساؤلا كبيرا عن دولة العدالة والقانون والقضاء التي وعدت السلطة الجديدة الشعب السوري بها، فكما يتضح بعد شهور خمسة على اعتقال خالد العبود، فإن السلطة ما تزال تلتزم الصمت دون توجيه تهم محددة له ودون عرضه على القضاء، ودون السماح لأهله بالتواصل معه أو معرفة أي شيء عنه فكيف بتوكيل محام للدفاع عنه كأبسط حق للإنسان مهما كان سبب اعتقاله.

ويتضح هذا من منشورات مينا خالد العبود التي لفتت في إحداها إلى التعتيم المستمر والمنع الصارم لوصولهم لأي معلومة تتعلق بوضع والدها المفكر العربي خالد العبود، وبأنهم بعد محاولاتهم المستمرة لطرق جميع أبواب الأفرع الأمنية وصلتهم أنباء عن تعرض والدها للتعذيب في المعتقل، لتسأل فماذا بعد؟.

وأيضا في المنشور الذي وجهته في حزيران/ يونيو الماضي إلى السلطة الحاكمة قائلة: "إلى دولة الحرية والديمقراطية أسألكم في أوج مرحلة التحرير: متى سيحق لنا زيارة والدي ؟! أو معرفة مكانه ؟! أو حتى تهمة اعتقاله؟! هل أفرغتم السجون لكي تملؤوها بكل من كان يؤيد النظام السابق!؟"

وتساءلت: "أين القضاء والقانون والعدل والمحاكم ؟! أين حرية الإنسان والتعبير التي كانت أهم المطالب؟! إلى متى سننتظر؟!"

إضافة إلى منشور لاحق لها وصفت فيه حالة اعتقال خالد العبود التي لا تمت للقانون بصلة بالقول: "لا تهمة، لا دعوى قضائية، لا ورقة اعتقال، لا اتصال، لا معلومة مؤكدة ولا خبر حتى اليوم، هل هذا اعتقال؟ أم أنه إخفاء قسري لمواطن سوري ؟!"

وعليه فإن هذا الاعتقال أعاد الأذهان إلى شعار الحرية التي طالب بها من خرج على حكم النظام السابق منذ العام 2011 بهدف الخلاص من الظلم، وما إذا كانت الحرية المنشودة حينها تستوي مع ما يجري اليوم من اعتقال الناس لمجرد إبداء الرأي السياسي، ولأن المشكلة تكمن في الظلم وليس في شخصية الظالم فإن الاعتقال بهذا الشكل يضع السلطة الجديدة في موقع الظالم الذي انتظر حتى سنحت له الفرصة وسيطر على الحكم لإظهار ظلمه.

ومع بقاء مصير المعتقل خالد العبود مجهولا، فإن سيادة القانون في سوريا الجديدة ومزاعم العدالة والشعارات الرنانة الأخرى تظل مثار شك كبير، وهذا الاعتقال يشير بكل أسف إلى حالة لا صحية في بناء سوريا المستقبل، يجعل الكثيرين ممن لم تتلطخ أيديهم بالدماء لكنهم عبروا عن رأي مختلف أو موالٍ للنظام السابق في خوف وقلق مستمرين، إذ لا ضامن لأحد من الاعتقال، ولا قانون يضمن أمن المعتقل وحقوقه وعدالة المحاسبة.