أكد موقع Defense News Army إعلان أوكرانيا رسميا بدء الاستخدام العملياتي لصاروخها الباليستي المحلي سابسان (Sapsan)، في خطوة تعد تحولا مهما في مسار الحرب وقدرة كييف على تنفيذ ضربات بعيدة المدى دون الاعتماد الكامل على الإمدادات الغربية.
وجاء الإعلان في 9 ديسمبر 2025، حيث أكد الرئيس فولوديمير زيلينسكي أن القوات الأوكرانية تستخدم الصاروخ إلى جانب منظومتي نيبتون (Neptun) ونسختها ذات المدى الموسع، إضافة إلى منصات باليانتسيا (Palianytsia) وفلامينغو (Flamingo)، ويعكس دخول سابسان الخدمة القتالية تطورا لافتا في استراتيجية كييف الهادفة إلى امتلاك قدرة سيادية على الضربات العميقة.
قدرة سيادية للضربات العميقة وتكتيك الردع
وأشار الموقع إلى أن زيلينسكي وخلال مؤتمر صحفي أوضح أن أوكرانيا بدأت بالفعل استخدام سابسان، مشيرا إلى أن بلاده لن تكشف عدد الصواريخ أو قواذف الإطلاق حفاظا على سرية القدرات، ويضع هذا الصاروخ في مصاف الأنظمة الأوكرانية الحديثة القادرة على استهداف مواقع تبعد مئات الكيلومترات، ويهدف هذا النهج إلى تعزيز الردع عبر تأكيد امتلاك قدرة هجومية متطورة، دون تقديم معلومات تسمح لروسيا بالتخطيط المضاد.
ويعد سابسان نتاج مشروع طويل قادته مكتب التصميم بفديني (Pivdenne) ومنشآت الإنتاج بفدنماش (Pivdenmash)، مستندا إلى الإرث الصاروخي السوفييتي، ورغم أن النسخة المخصصة للتصدير صممت بمدى 280–300 كيلومترا ورأس حربي يراوح حول 480 كغ، تشير التقييمات المفتوحة إلى أن النسخ المحلية تتجاوز ذلك، مع تقديرات بمدى يتراوح بين 400 و500 كيلومتر.
وتؤكد تصريحات رسمية أوكرانية أن البلاد نفذت هذا العام ضربة ناجحة قريبة من 300 كيلومتر، مع بقاء قدراتها القصوى طي الكتمان، ويأتي هذا التطور بعد ادعاءات روسية بأن هجمات في مناطق سومِي ودنيبروبتروفسك أعاقت الإنتاج، وهي رواية لا تعكس قدرة أوكرانيا الحالية على تشغيل الصاروخ بنجاح في الميدان.
الصاروخ الباليستي الأوكراني المحلي سابسان (Sapsan) (مصدر الصورة: www.deagel.com)فجوة جديدة بين الأنظمة الباليستية وصواريخ الكروز
وبحسب الموقع يملأ سابسان فراغا عملياتيا مهما بين الأنظمة التي تعتمدها أوكرانيا حاليا، فبخلاف صاروخ توتشكا-يو (Tochka-U) الذي لا يتجاوز مداه 120 كيلومترا، أو النسخ الغربية من ATACMS بمدى بين 165 و300 كيلومترا، يوفر سابسان قدرة ضرب أسرع وأقوى ضد أهداف محصنة على مسافات متوسطة.
أما صواريخ الكروز الأوكرانية مثل نيبتون الممتدة المدى، والتي وصلت ضرباتها إلى نحو 1000 كيلومتر، أو فلامينغو التي يعتقد أن مداها يقترب من 3000 كيلومتر، فهي تمتلك مزايا مختلفة لكنها أبطأ وأكثر عرضة للاعتراض، أما سابسان فبسبب سرعته ومساره الباليستي، يقلص مهلة الإنذار لدى الدفاعات الروسية، ما يفرض على موسكو إعادة توزيع منظوماتها الجوية المتقدمة.
وتشير الخرائط التي نشرتها روسيا مؤخرا إلى قلق متزايد من الصاروخ، إذ زعمت أن مداه قد يصل إلى 750 كيلومترا، وهي مسافة تتيح نظريا تهديد نطاق موسكو ومينسك، ورغم أن هذه الأرقام تتجاوز التقديرات المعروفة، إلا أنها تعكس إدراكا روسيا متزايدا بأن أوكرانيا باتت تمتلك قدرة حقيقية على استهداف قواعد جوية ومراكز قيادة وطرق لوجستية عميقة في العمق الروسي.
الانعكاسات الاستراتيجية على مسار الحرب
ويمثل استخدام سابسان نقطة تحول لافتة في معادلة الضربات البعيدة، إذ يمنح أوكرانيا أداة هجومية مستقلة عن القيود السياسية المصاحبة للصواريخ الغربية مثل ATACMS. ويمكن هذا التطور كييف من تنفيذ ضربات دقيقة حتى في حال تباطؤ الإمدادات الخارجية أو تغير قواعد الاشتباك، كما يسمح تنويع ترسانة الضربات الأوكرانية بتنفيذ هجمات مركبة تجمع بين الصواريخ الباليستية والكروز، بما يزيد تعقيد الاستجابة الروسية ويفتح المجال أمام إرباك دفاعاتها.
وتحاول موسكو تصوير التعاون التقني الأوروبي على أنه تدخل مباشر في الحرب، في وقت تسعى فيه كييف إلى تعزيز صناعتها الدفاعية داخليا، وإجمالا يؤكد دخول سابسان الخدمة أن أوكرانيا باتت قادرة على تهديد عمق الخصم بأسلحة محلية الصنع يصعب تقدير عددها أو توقّع مسارها.
سابسان ضمن بنية صاروخية محلية متعددة الطبقات
يأتي ظهور سابسان كجزء من انتقال تدريجي نحو بنية صاروخية أوكرانية متكاملة، تغطي مستويات متعددة من المديات والمهام، ويتوقع أن يشكل هذا الصاروخ العمود الفقري لمنظومات الضربات على مستوى الجيش، فيما تستخدم صواريخ الكروز ذات المدى البعيد لاستهداف البنى التحتية الحساسة، وتتكفل الطائرات المسيرة أو منصات المدفعية بتغطية المديات الأقصر.
وتسمح هذه الهندسة المتدرجة بإدارة عمليات معقدة تطلق فيها الصواريخ من اتجاهات متعددة وفي توقيت متزامن، ما يعزز فرص اختراق الدفاعات الروسية، كما يمثل استمرار البرنامج رغم الضربات الروسية دليلا على قدرة أوكرانيا على حماية صناعتها الدفاعية وتحديثها، ومع تزايد الحديث عن تطوير نسخ محسنة ذات دقة أكبر، يبدو أن سابسان سيظل أحد عناصر التوازن الرئيسة في ساحة الصراع خلال المرحلة المقبلة.