كشفت دراسة علمية حديثة أن العسل لا يُعد مجرد غذاء طبيعي مفيد للإنسان، بل يمثل سجلا بيولوجيا دقيقا لصحة النحل. إذ يحتفظ العسل بآثار جزيئية للفيروسات والطفيليات التي تصيب النحل، ما يتيح للعلماء تقييم الحالة الصحية للمناحل على نطاق واسع دون الحاجة إلى فتح خلايا النحل أو التدخل المباشر فيها.
العسل كأداة مبتكرة لمراقبة صحة النحل
أثبت باحثون إيطاليون من مراكز متخصصة في التقنيات الحيوية، وعلوم الزراعة، وتربية النحل أن العسل يمكن استخدامه كمؤشر دقيق وموثوق لصحة مستعمرات النحل. وقد نُشرت نتائج هذه الدراسة في المجلة العلمية المرموقة PLOS، واعتمدت على تحليل 679 عينة من العسل جُمعت من جميع الأقاليم العشرين في إيطاليا.
تحليل فيروسات وطفيليات دون فتح الخلايا
صحة النحل ( مصدر الصورة: Gazeta.Ru )
بحث العلماء في كل عينة عن آثار ثمانية من أكثر مسببات الأمراض شيوعا لدى النحل، تشمل فيروسات وطفيليات مجهرية.
واستخدم الفريق تقنيات التحليل الجزيئي للحمض النووي (DNA) والحمض النووي الريبي (RNA) المحفوظة داخل العسل، دون أي تدخل في نشاط الخلية.
نتائج لافتة:
97.5% من عينات العسل احتوت على مسبب مرضي واحد على الأقل.
أكثر من 77% من العينات ضمت مسببين مرضيين أو أكثر في الوقت نفسه.
أكثر الفيروسات انتشارا بين النحل
كان فيروس تشوه الأجنحة هو الأكثر شيوعا، حيث تم رصده في 81.7% من العينات.
كما كُشف في نحو نصف العينات عن:
طفيلي Nosema ceranae
فيروس الشلل المزمن لدى النحل
وفي المقابل، لم تظهر بعض الأمراض في أي عينة، ما ساعد الباحثين على تصحيح الصورة الوبائية الحقيقية لانتشار العدوى.
وفي بعض الحالات، وصلت تركيزات الفيروسات إلى مئات المليارات من النسخ الجزيئية.
تأثير الموقع والنباتات على صحة النحل
أظهرت الدراسة أن نوع العسل ومصدره النباتي يؤثران بشكل ملحوظ على مستوى العدوى:
عسل اللافندر واللبلاب احتوى على نسب أقل من الفيروسات.
بينما أظهر عسل الحمضيات، والكستناء، والعسل متعدد الأزهار معدلات عدوى أعلى.
كما لعب الموقع الجغرافي دورا مهما، إذ كانت تركيزات فيروس تشوه الأجنحة أقل في جنوب إيطاليا مقارنة بالمناطق الشمالية والجزر.
العسل سجل بيئي شامل لصحة النحل
يوضح الباحثون أن العسل يتراكم فيه كل ما تتعرض له النحلة، بدءا من النباتات التي تزورها، وصولا إلى الطفيليات والفيروسات في البيئة المحيطة.
ورغم ذلك، يؤكد العلماء أن وجود آثار جينية لمسبب مرضي في العسل لا يعني بالضرورة أن خلية النحل مريضة حاليا، بل يشير إلى انتشار العدوى في البيئة المحيطة.
أهمية الاكتشاف للأمن الغذائي
يرى مؤلفو الدراسة أن تحليل العسل يمكن أن يتحول إلى وسيلة فعالة للرصد المبكر للأمراض، تكمل أساليب التشخيص التقليدية.
ونظرا للدور الحيوي الذي يلعبه النحل في تلقيح المحاصيل وضمان الأمن الغذائي العالمي، فإن هذه الطريقة تتيح مراقبة صحة المناحل بسرعة وكفاءة وعلى نطاق وطني واسع، دون إلحاق أي ضرر بالنحل.