في ظلّ الحديث المستمرّ حول بناء الدّولة وصناعة مستقبل مشرق للبنان وشعبه، يستوقفني إهمال علم الإجرام المسمّى أيضاً بـ "الكريمينولوجيا" في الجامعات وغيرها. وقد حاولت في السّنوات الماضية أن أُلفت الآخرين إلى أهمِّيَّة هذا العلم وأبعاده بأن أُثير بعض قضاياه تارةً عبر كتابة المقالات وأُخرى من خلال الإشارة إليها في الجلسات والحوارات مع المهتمّين بالشّؤون الثّقافيّة. ثُمّ بدا لي أنّه قبل الخوض في مسائل هذا العلم وجزئيّاته كان ينبغي بيان وجه الحاجة إليه. ولذا كان لا بُدّ من كتابة مقالة تتحدّث عن الكريمينولوجيا كأداة ضروريّة في بناء الدّول والتّأسيس المجتمعيّ..
عندما نتحدّث عن آثار هذا العلم وضرورة الاهتمام به فمعنى ذلك أنّنا نرى قدرته على إحداث تحوُّل إيجابيّ في الواقع اللّبنانيّ. وتنطلق مسيرة هذا التَّحوُّل المطلوب من إدخال الكريمينولوجيا إلى البرامج الجامعيّة بأن يُفسَح المجال للتَّخصُّص به، على أنّه يجب أن يتمّ ذلك بعد بناء هيكليّة مؤسّساتيّة في الدّولة قادرة على استيعاب المتخصّصين والاستفادة من جهودهم وطاقاتهم في المجال البحثيّ والقانونيّ وتصميم المشاريع والإقدامات الإصلاحيّة..
لا شكّ أنّ الجامعات بمثابة مولّدات علميّة للدّول ومؤسّساتها، لكن قد يُسأل: كيف نطبّق هذا المفهوم العامّ على علم الإجرام بشكل يُظهر الحاجة إليه في المناخ الجامعيّ؟ والجواب:
أوّلاً، إنّ وضع السّياسات والقوانين يجب أن يستند إلى ما في أيدي الباحثين في هذا العلم من بيانات واستنتاجات حول مسبِّبات الجرائم واتّجاهاتها وآثارها، بدلاً من الاعتماد في ذلك على الحدس السّياسيّ أو الفزع الأخلاقيّ..
ثانياً، إنّ من شأن تقديم علم الإجرام مجالاً للتَّخصُّص المساهمة في تمهين أنظمة العدالة على اعتبار أنّ القُضاة والشّرطة وأجهزة الأمن والأخصّائيّين الاجتماعيّين وواضعي القوانين يجب أن يتمتّعوا بفهم للجرائم مدعَّم بالمعطيات التي تقدّمها دراسات علماء الإجرام..
ثالثاً، إنّه لا يكفي استيراد النّظريّات والأساليب من الخارج، كأن تتبنّى الدّولة في خطواتها السّياسيّة وإجراءاتها القانونيّة والتّنفيذيّة ملامح الأنظمة المعتمدة في دول أُخرى، إذ لا بُدّ أن يتمّ مكافحة الجرائم بما يتناسب مع الواقع المحلّي. وبإمكان الجامعات أن توظّف مواردها ودراساتها في سبيل تطبيق عمليّ أدقّ لمباني هذا العلم..
رابعاً، وهو من أهمّ فوائد هذا الطّرح، إنّ من ثماره تعزيز دور الأكاديميا في تسليط الضّوء على ما في الدّولة ومؤسّساتها من خلل، إنْ من ناحية الاستبداد وعدم ابتناء الإجراءات التّنفيذيّة على ما يُحقّق العدالة، أو من ناحية عدم الفعّاليّة، أو من ناحية الثّغرات النّظاميّة الطّبيعيّة غير النّابعة من فساد أو عدم كفاءة. وهذا له دور في الإصلاح وحفظ الحقوق كما لا يخفى لكونه مانعاً من صيرورة سياسة الجرائم تفاعليّة أو انتقاميّة، أو - بنتيجة عكسيّة - مسوِّغة للأعمال الجنائيّة (criminogenic)..
أمّا الميدان الثّاني الذي ينبغي فيه الاستفادة من علم الإجرام، والذي ينتقل فيه الطّرح من العالم النّظريّ إلى العالم العمليّ، فهو العمل البلديّ المحلّي. والحكمة في ذلك أنّه إذا كانت الجرائم محلِّيَّة في الغالب فمن أفضل طُرق التَّصدِّي لها اعتماد الحلول والمعالجات المحلِّيَّة:
أوّلاً، إنّ هذا يحتّم على البلديّات المبادرة إلى الوقاية بدلاً من اكتفائها بالواقع، ومن ثَمّ تلحظ البلديّات في مشاريعها دور العوامل والمسبِّبات المختلفة في تسويغ الجرائم وتوليدها، كما قد تطلق مبادرات تربويّة للشّباب أو غير ذلك استناداً إلى ما لديها من بيانات تُظهر حيثيّات المخالفات وبشكل يأخذ بعين الاعتبار المحيط الثّقافيّ المعلوم حسِّيًّا. وهذا أوفى في غرض الإصلاح من الدّراسات التي قد تفوتها بعض التّفاصيل التي إنّما يدركها "إبن المنطقة" دون غيره..
فمن خلال تحليل البيانات تستطيع البلديّة أن تحدّد الأماكن التي تحصل فيها أكثر الجرائم، وأن تشخّص الأنماط الاجتماعيّة المرتبطة بحالات الانحراف والمخالفات القانونيّة، وأن تبني على أساسها منظومة إصلاحيّة من السّياسات والمشاريع المحلِّيَّة..
ثانياً، إنّ هذا يعزّز ثقة البيئة الاجتماعيّة بالسّلطات المحلِّيَّة ويرفع من مستوى تعاونها مع البلديّات بدلاً من إشعارها بأنّها مستهدَفة من قِبل المسؤولين. وهذا أمر أساسيّ تعتمده أفضل أنظمة الشّرطة في العالم..
من هنا نستطيع أن نفهم دور علم الإجرام في بناء الدّولة والتّأسيس المجتمعيّ، وبالتّالي بقي الكلام في مقامين:
أمّا دور علم الإجرام في بناء الدّولة فيمكن تلخيصه بأُمور. منها تأثيره الإيجابيّ على نظام العدالة الجنائيّة وبالتّالي نظرة المجتمع إلى دور الدّولة كطرف حاضن، ومنها أنّ استقرار المؤسّسات في النّظام العامّ يبعث على الاستقرار بنطاقه الأوسع، ومنها دوره في صيانة شرعيّة الدّولة وسيادة القانون، ومنها إيجاد التّوازن بين القانون والثّقافة العامّة. فكلّما كان القانون أكثر إدراكاً واستيعاباً للمجتمع وهواجسه الثّقافيّة والاقتصاديّة والأمنيّة وغيرها، كان أقدر على الحدّ من الجرائم والمخالفات لتمكُّنه من محاربة أسبابها. أمّا من دون الكريمينولوجيا فكلّ محاولة لـ "بناء الدّولة" وبسط سيادتها ستكون عبارة عن ترقيع لما يظهر من انخراق الثّوب المجتمعيّ، وسيؤدّي إلى فوضى تولِّد المزيد من الجرائم والمخالفات في المدى البعيد..
وأمّا دور علم الإجرام في التّأسيس المجتمعيّ فلعلّه من الواضح أنّ اطّلاع المجتمع على نظريّات علم الإجرام وحصول نوع من التّوعية الاجتماعيّة حول مسبِّبات الجريمة وأنماطها وآثارها وكيفيّة التّعامل مع ظواهر الانحراف؛ كلّ ذلك من شأنه أن يحوّل الكريمينولوجيا إلى ثقافة عامّة. ويتبلور حينئذٍ مفهوم الجريمة عند عامّة النّاس فتنتقل من كونها شرًّا فرديًّا إلى ظاهرة اجتماعيّة تؤذن بفراغٍ يجب إيجاده وسدُّه. ولست أُبالغ لو قلت بأنّ هذا التّثقيف قد يوقد ثورة فكريّة وسلوكيّة فيما لو أصبح هناك ارتكاز جديد لدى المجتمع حول العدالة والإصلاح والمسؤوليّة العامّة..
وأمّا ادّعاء أنّ الكريمينولوجيا تؤدّي إلى الاستخفاف بالجرائم وخطورتها، فمردود بأنّها لا تستبدل نظام العدالة الجنائيّة، بل تعزّز قدرته على الإحاطة بمختلف أبعاد القضية وتحسِّن أداءه في المجال العامّ. هذا بالإضافة إلى أنّ المنع مكمِّلٌ للعقوبة وليس ضدّها.