موجات الحر الشديدة تُنهك خلايا نحل العسل وتهدد بقاءها

تأثير موجات الحر على نحل العسل ( مصدر الصورة: Shutterstock ) تأثير موجات الحر على نحل العسل ( مصدر الصورة: Shutterstock )

يُعرف نحل العسل بقدرته المدهشة على تنظيم درجة الحرارة داخل خلاياه بدقة عالية لحماية اليرقات والنحل في طور النمو. إلا أن أبحاثا علمية جديدة تشير إلى أن موجات الحر الصيفية الشديدة باتت تدفع هذا النظام الحيوي إلى حدوده القصوى، ما يؤدي إلى تراجع أعداد مستعمرات النحل.

وتؤكد الدراسة أن الارتفاع الشديد في درجات الحرارة أصبح يتجاوز قدرة نحل العسل على تبريد خلاياه، وهو ما ينعكس سلبا على صحة المستعمرة واستقرارها.

دراسة علمية تكشف أثر الحرارة المفرطة

أظهرت دراسة نُشرت في مجلة الفسيولوجيا البيئية والتطورية (Ecological and Evolutionary Physiology) أن التعرض المطول لدرجات حرارة مرتفعة يؤدي إلى اضطراب عملية تبريد الخلايا، ويتسبب في انخفاض حاد في أعداد نحل العسل داخل المستعمرات.

مراقبة النحل خلال موجة حر في أريزونا

حملت الدراسة عنوان:

"الآثار السلبية للحرارة المفرطة على التنظيم الحراري للمستعمرة وديناميكيات أعداد نحل العسل"،

وشملت مراقبة تسع مستعمرات من نحل العسل خلال صيف شديد الحرارة في ولاية أريزونا الأمريكية.

وخلال فترة ثلاثة أشهر، تجاوزت درجات الحرارة الخارجية في كثير من الأيام 40 درجة مئوية (104 فهرنهايت)، ما وفر نموذجا واقعيا لتأثير موجات الحر المتطرفة على النحل.

وأكد الباحثون أن ازدياد شدة وتكرار موجات الحر يمثل خطرا متناميا على نحل العسل وخدمات التلقيح التي يقدمها للنظم البيئية والزراعة حول العالم.

حدود قدرة نحل العسل على التنظيم الحراري

أوضح فريق البحث أن مستعمرات نحل العسل تمتلك آليات معروفة للتعامل مع التعرض للحرارة، إلا أن هذه الدراسة تُعد من أوائل الأبحاث التي تقيس حدود هذه القدرة بشكل عملي، وتبحث في تأثير موجات الحر الطبيعية على نمو المستعمرات وقدرتها على الحفاظ على درجات حرارة مناسبة.

تذبذبات حرارية داخل الخلية

رغم أن المستعمرات استطاعت الحفاظ على متوسط درجة حرارة حضنة النحل ضمن النطاق المثالي الذي يتراوح بين 34 و36 درجة مئوية، وهو ضروري لنمو اليرقات بشكل سليم، فإن درجات الحرارة داخل الخلايا شهدت تقلبات يومية كبيرة.

وتعرض النحل النامي في مركز الحضنة لما يقارب:

1.7 ساعة يوميا دون النطاق الحراري المثالي

1.6 ساعة يوميا فوق هذا النطاق

الأطراف الأكثر تضررا داخل الخلية

كانت الأوضاع أكثر خطورة عند أطراف الحضنة، حيث قضى النحل النامي ما يقارب ثماني ساعات يوميا خارج النطاق الآمن لدرجات الحرارة، ما جعله عرضة لإجهاد حراري طويل الأمد.

الإجهاد الحراري وتراجع أعداد المستعمرات

أظهرت النتائج أن هذه التقلبات الحرارية المتكررة أثرت بشكل مباشر على صحة المستعمرات. فقد سجلت المستعمرات التي تعرضت لدرجات حرارة هواء أعلى وتقلبات داخلية أكبر انخفاضا ملحوظا في أعداد النحل.

وخلص الباحثون إلى أن:

"الحرارة المفرطة، مع تجاوز درجات الحرارة القصوى 40 درجة مئوية، يمكن أن تؤدي إلى تقليص أعداد المستعمرات من خلال إضعاف التنظيم الحراري للحضنة أو تعريض النحل البالغ لدرجات حرارة تقلل من متوسط عمره."

أهمية حجم المستعمرة في مقاومة الحرارة

بيّنت الدراسة أن المستعمرات الأكبر حجما كانت أكثر قدرة على مقاومة الإجهاد الحراري، حيث حافظت على درجات حرارة داخلية أكثر استقرارا مقارنة بالمستعمرات الصغيرة.

فعند أطراف الحضنة:

شهدت المستعمرات الصغيرة تقلبات حرارية يومية وصلت إلى 11 درجة مئوية

بينما لم تتجاوز التقلبات في المستعمرات الكبيرة 6 درجات مئوية

وبفضل هذا الاستقرار، تعرض النحل النامي والبالغ في المستعمرات الأكبر لفترات أقصر من درجات الحرارة الخطرة.

تغير المناخ يفاقم المخاطر عالميا

حذر الباحثون من أن الظروف المناخية التي لوحظت في أريزونا قد تصبح أكثر شيوعا مستقبلا، حيث تشير التوقعات المناخية إلى احتمال ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية بنحو 2.7 درجة مئوية بحلول نهاية القرن، وقد تصل الزيادة إلى 4 درجات مئوية في سيناريوهات الانبعاثات المرتفعة.

ومن المتوقع أن يؤدي هذا الارتفاع إلى زيادة تواتر وشدة موجات الحر في مختلف أنحاء العالم.

الرطوبة تزيد من صعوبة تبريد الخلايا

أشار الباحثون إلى أن الرطوبة العالية قد تفاقم المشكلة، إذ تقلل بشكل كبير من كفاءة التبريد التبخيري، وهو الآلية الأساسية التي يعتمد عليها نحل العسل لتنظيم حرارة الخلية، ما يجعل التحكم الحراري أكثر صعوبة.

ما الذي يعنيه ذلك لمربي النحل والزراعة؟

تحمل نتائج الدراسة دلالات مهمة لمربي النحل والأنظمة الزراعية المعتمدة على التلقيح. ويوصي الباحثون بعدة إجراءات للتخفيف من آثار الحرارة، من بينها:

توفير مصادر مياه إضافية

وضع الخلايا في أماكن مظللة

تحسين تصميم الخلايا وعزلها الحراري

ضمان توفر مراعي غنية وعالية الجودة

وقد تصبح هذه الإجراءات ضرورية للحفاظ على استقرار مستعمرات نحل العسل في ظل المناخ المتغير.