احتياطي الذهب الألماني في الولايات المتحدة يثير الجدل وسط تزايد الدعوات لإعادته

ندى درغام
الذهب الألماني في الولايات المتحدة.. ملف حساس تثيره رياح التوترات السياسية الذهب الألماني في الولايات المتحدة.. ملف حساس تثيره رياح التوترات السياسية

عاد ملف الذهب الألماني المخزن في الولايات المتحدة الأمريكية إلى واجهة الجدل السياسي والاقتصادي، وسط تزايد الدعوات الداخلية لإعادته، في وقت يشهد فيه العالم تحولات جيوسياسية عميقة، وتراجعا في منسوب الثقة بالتحالفات التقليدية.

فقد أثرت التوترات الراهنة وسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتقلبة على حالة الاستقرار والتحالف الآمن الذي امتد لعقود، ولم يعد الذهب الذي يعتبر حجر الأساس في مفهوم الأمن المالي والسيادة الاقتصادية مجرد احتياطي نقدي، بل تحول إلى ورقة سياسية حساسة في علاقة برلين بواشنطن.

حجم احتياطي الذهب الألماني وأماكن تخزينه

تعد ألمانيا ثاني أكبر دولة في العالم من حيث احتياطي الذهب، حيث تمتلك نحو 3360 طنا من الذهب، وتقدر قيمتها الإجمالية بحوالي 450 مليار يورو وفق أسعار السوق الحالية، لكن ما يثير الجدل هو أن نحو 1236 طنا من ذهب ألمانيا مخزنة في خزائن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في نيويورك أي ما يعادل قرابة 37% من إجمالي احتياطي الذهب الألماني، بينما تتوزع الكمية المتبقية بين فرانكفورت ولندن.

وقد بات هذا التوزيع بين ألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا، والذي كان ينظر إليه تاريخيا كخيار أمني واستراتيجي، محل تساؤل متزايد اليوم.

أسباب تخزين ذهب ألمانيا في الخارج

ويعود قرار تخزين الذهب الألماني خارج البلاد إلى حقبة الحرب الباردة، حين فضلت ألمانيا الغربية حماية احتياطياتها من أي تهديد عسكري محتمل، إضافة إلى ضمان سهولة تداوله في الأسواق العالمية، وتعزيز الثقة الدولية بالمارك الألماني سابقا، وأيضا من أجل الاعتماد على مراكز مالية عالمية كبرى مثل نيويورك ولندن، غير أن هذه المبررات، بحسب العديد من المراقبين، فقدت جزءا من وجاهتها في عالم مختلف سياسيا واقتصاديا.

دور سياسات ترامب في دعوات إعادة الذهب الألماني

ويربط كثير من الخبراء، تجدد النقاش حول إعادة الذهب الألماني، بعودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى صدارة المشهد السياسي، وما يرافق ذلك من سياسات غير متوقعة تجاه الحلفاء، ونزعة حمائية واستخدام الاقتصاد كأداة ضغط، وتتوتر محتمل في العلاقات عبر الأطلسي.

ويرى اقتصاديون ألمان أن الاعتماد على دولة أخرى في حفظ أحد أهم أصول السيادة الوطنية لم يعد خيارا مريحا في بيئة دولية متقلبة.

تصاعد المطالبة في إعادة ذهب ألمانيا من الولايات المتحدة

وقد تصاعدت في ألمانيا مؤخرا الدعوات إلى إعادة الذهب من الولايات المتحدة ولم تعد المطالبات بإعادته مقتصرة على أطراف شعبوية، فقد دعا الخبير الاقتصادي إيمانويل مونش إلى إعادة النظر في تخزين الذهب في نيويورك، معتبرا أن ذلك ينطوي على مخاطر استراتيجية غير ضرورية.

كما حذر مايكل ياغر من جمعية دافعي الضرائب الأوروبيين، من أن الوصول إلى الذهب في أوقات الأزمات قد يصبح رهينة اعتبارات سياسية.

أما سياسيا، فكان حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) من أبرز الداعمين لإعادة الذهب، فيما عبرت شخصيات من أحزاب أخرى بينها حزب الخضر، عن ضرورة مناقشة الملف من زاوية الشفافية والاستقلال المالي.

موقف الحكومة الألمانية والبنك المركزي من إعادة الذهب

وفي المقابل، تتمسك الحكومة الألمانية والبنك المركزي الألماني "البوندسبانك" بموقف حذر، مؤكدين أن احتياطي الذهب الألماني يخضع لتدقيق دوري صارم، وأن خزائن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تعد من الأكثر أمانا عالميا، إضافة إلى اعتبارهم أن نقل الذهب لا يحقق فائدة اقتصادية مباشرة في الوقت الراهن.

ومن جهته حذر كليمنس فوست، رئيس معهد Ifo الاقتصادي، من أن خطوة كهذه قد تفسر سياسيا على أنها تراجع في الثقة بين برلين وواشنطن.

وكانت ألمانيا قد أعادت بين عامي 2013 و2017، مئات الأطنان من ذهبها من نيويورك وباريس إلى فرانكفورت، في عملية وصفت بالناجحة تقنيا ولوجستيا، لكن هذه التجربة أظهرت أيضا أن القرار سياسي بالدرجة الأولى، والتوقيت لا يقل أهمية عن الجدوى، وأن الرسائل المرافقة لأي خطوة قد تكون أهم من الخطوة نفسها.

أهمية إعادة الذهب الألماني من الخارج

وعلى الرغم من ذلك، فإن إعادة ذهب ألمانيا لا يتعلق بالمكان فقط، بل يتعدى ذلك إلى رمزيته المتمثلة في تحقيق سيادة اقتصادية أكبر، إضافة إلى أنه يمثل بالتأكيد رسالة سياسية لواشنطن، ويعيد تعريف العلاقة الأوروبية الأمريكية.

فالذهب في عالم يشهد تسييسا متزايدا للاقتصاد والعقوبات، قد يتحول من أصل صامت إلى لاعب فاعل في معادلات القوة.

ولذا فإن ذهب ألمانيا المخزن في نيويورك، يبقى أكثر من مجرد أرقام في دفاتر البنوك المركزية، فهو اختبار حقيقي لمفهوم السيادة الاقتصادية في زمن التحولات الكبرى، وسؤال مفتوح حول مستقبل الثقة بين الحلفاء.