العلم يكشف سر الزواج الأحادي لدى ملوك وملكات النمل الأبيض

لغز الزواج الأحادي لدى النمل الأبيض ( مصدر الصورة: جامعة سيدني ) لغز الزواج الأحادي لدى النمل الأبيض ( مصدر الصورة: جامعة سيدني )

توصلت مجموعة دولية من العلماء، بعد دراسة الجينومات الخاصة بالنمل الأبيض وأقاربه، إلى أن الانتقال نحو تنظيم اجتماعي معقد لدى هذه الحشرات ارتبط بظهور الزواج الأحادي وفقدان عدد من الجينات، من بينها جينات مسؤولة عن حركة الحيوانات المنوية.

وأظهرت النتائج أن هذا التحول التطوري لم يكن نتيجة اكتساب وظائف وراثية جديدة، بل كان نتيجة التخلي عن بعض الجينات التي لم تعد ضرورية مع تغيّر نمط الحياة الاجتماعية.

الزواج الأحادي لدى النمل الأبيض ( مصدر الصورة: جامعة كاليفورنيا )

من أسلاف منفردين إلى مجتمعات تضم الملايين

تعود أصول النمل الأبيض إلى أسلاف منفردة تشبه الصراصير الحديثة. ووفقا لدراسة أجراها باحثون من جامعة سيدني في أستراليا بالتعاون مع علماء من دول أخرى، فإن تطور مجتمعات النمل الأبيض، التي قد تضم ملايين الأفراد، بدأ بعد تحوّل غذائي مهم تمثل في الاعتماد على الخشب الميت.

هذا التغيّر في النظام الغذائي أطلق سلسلة من التحولات الجينية والاجتماعية، مهدت الطريق لظهور بنية اجتماعية شديدة التعقيد.

مقارنة الجينومات تكشف مفاجآت تطورية

اعتمد العلماء في دراستهم على مقارنة جينومات عالية الدقة لكل من:

الصراصير العادية

صراصير الخشب التي تعيش في مجموعات عائلية

عدة أنواع من النمل الأبيض

وأظهرت النتائج أن جينومات النمل الأبيض وصراصير الخشب أصغر وأبسط من جينومات أسلافهم المنفردين. وخلال مسار التطور، فقد النمل الأبيض العديد من الجينات المرتبطة بـ:

التمثيل الغذائي

الهضم

التكاثر

ويرجع ذلك إلى اعتمادهم المتزايد على التعاون وتقاسم الغذاء داخل المستعمرة.

فقدان حركة الحيوانات المنوية علامة على الزواج الأحادي

من أبرز الاكتشافات التي توصلت إليها الدراسة فقدان النمل الأبيض للجينات المسؤولة عن تكوين ذيل الحيوانات المنوية. وعلى عكس الصراصير، فإن الحيوانات المنوية لدى النمل الأبيض غير متحركة.

ويوضح البروفيسور ناثان لو، الباحث الرئيسي في الدراسة، أن هذه الظاهرة ليست سببا للزواج الأحادي، بل نتيجة مباشرة له. ففي معظم الحيوانات، تتزاوج الإناث مع أكثر من ذكر، ما يخلق تنافسًا بين الحيوانات المنوية ويجعل حركتها أمرا ضروريا.

لكن عندما انتقل أسلاف النمل الأبيض إلى نظام الزواج الأحادي الصارم، اختفى الضغط التطوري الذي يحافظ على جينات حركة الحيوانات المنوية، ما أدى إلى فقدانها بمرور الوقت.

الزواج الأحادي كأساس للتنظيم الاجتماعي

تدعم هذه النتائج الفكرة القائلة إن القرابة الوراثية الوثيقة الناتجة عن الزواج الأحادي لعبت دورا محوريا في تطور المجتمعات الاجتماعية المعقدة لدى النمل الأبيض. فارتفاع درجة التشابه الجيني بين أفراد المستعمرة يعزز التعاون والتضحية الفردية لصالح الجماعة.

كيف تحدد التغذية مصير اليرقات؟

سلّطت الدراسة الضوء أيضا على آلية تنظيم الأدوار داخل مستعمرة النمل الأبيض. إذ يعتمد مصير اليرقة — سواء أصبحت عاملة أو فردا تناسليا مستقبليا — إلى حد كبير على كمية الغذاء التي تتلقاها في المراحل المبكرة.

اليرقات التي تتلقى تغذية وفيرة تطور معدلا عاليا من الأيض، وتتحول إلى عاملات عقيمات.

اليرقات التي تحصل على غذاء أقل تنمو ببطء، لكنها تحتفظ بقدرتها على التكاثر، ما يسمح لها مستقبلاً بتعويض الملك أو الملكة عند الحاجة.

وتتيح هذه الآلية، القائمة على تبادل الغذاء، للمستعمرة إدارة تركيبتها الطبقية بمرونة عالية.

تُظهر هذه الدراسة أن تطور المجتمعات المعقدة لدى النمل الأبيض لم يكن نتيجة إضافة تعقيد جيني، بل على العكس، كان ثمرة تبسيط وراثي مقترن بتغيرات اجتماعية عميقة، في مقدمتها الزواج الأحادي والتعاون الوثيق بين أفراد المستعمرة.