أثار التركيب النظائري لفراء القطط دهشة العلماء بعد أن أظهر التحليل الكيميائي أنه يشبه إلى حد كبير الحيوانات العاشبة، رغم أن القطط تُعد من اللاحمات الإجبارية التي لا يمكنها البقاء على قيد الحياة دون تناول اللحوم.
وتشير هذه النتائج إلى أن الطرق التقليدية المستخدمة لتحديد موقع الكائنات في السلسلة الغذائية قد لا تنطبق دائما على القطط.
التركيب الكيميائي لفراء القطط ( مصدر الصورة: Getty Images )
القطط لاحمات بطبيعتها لكن التحليل يقول غير ذلك
تعتمد القطط اعتمادا كاملا على البروتين الحيواني لأن أجسامها غير قادرة على إنتاج بعض العناصر الأساسية من مصادر نباتية. لذلك كان من الشائع الاعتقاد بأن التركيب الكيميائي لأنسجة الحيوان يكشف بسهولة موقعه في الهرم الغذائي.
إلا أن هذه القاعدة لا تبدو دقيقة عندما يتعلق الأمر بالقطط.
دراسة تقارن القطط بالبشر
قام باحثون من قسم علم الأحياء الدقيقة وعلوم النظم البيئية في جامعة فيينا بقياس مستويات نظائر النيتروجين المستقرة (^15N و^14N) في فراء وشوارب القطط المنزلية، إضافة إلى تحليل مكونات طعام القطط التجاري.
كما قارن العلماء هذه البيانات مع التركيب النظائري لشعر 653 شخصا يتبعون أنماطا غذائية مختلفة، بدءا من النباتيين وصولا إلى متناولي جميع أنواع الطعام. وقد نُشرت النتائج في مجلة Frontiers in Ecology and Evolution.
ماذا يعني مؤشر δ¹⁵N؟
يُستخدم مؤشر δ¹⁵N لتحديد موقع الكائن في السلسلة الغذائية؛ فكلما ارتفع الحيوان في الهرم الغذائي زادت قيمة هذا المؤشر.
ويُعرف الفرق بين التركيب النظائري للغذاء وأنسجة الجسم باسم معامل التمييز الغذائي، والذي يتراوح عادة بين 3 و5 أجزاء في الألف لدى معظم الحيوانات.
أرقام أقل من المتوقع
أظهرت النتائج أن متوسط δ¹⁵N في فراء وشوارب القطط بلغ نحو 6.5–6.6‰، وهو مستوى قريب من البشر النباتيين وأقل بكثير من متناولي الغذاء المتنوع.
وفي المقابل، بلغ المؤشر في طعام القطط حوالي 5‰ فقط، ما أدى إلى معامل تمييز غذائي منخفض جدًا قدره 1.6‰، مقارنة بنحو 4.7‰ لدى البشر الذين يتناولون مختلف الأطعمة.
وبناءً على هذه القيم، قد تبدو القطط—من الناحية النظائرية—وكأنها تتبع نظاما غذائيا نباتيا تقريبا.
السر في التمثيل الغذائي وليس في الطعام
يرجع هذا التباين إلى الخصائص الأيضية الفريدة للقطط. فهي تستفيد من البروتين الحيواني بكفاءة عالية، إذ يتطابق تركيب الأحماض الأمينية في اللحوم تقريبا مع احتياجات أجسامها.
ونتيجة لذلك، تُدمج الأحماض الأمينية الغذائية مباشرة في الكيراتين المكوّن للفراء دون المرور بتحولات كيميائية كبيرة، وهي التحولات التي تؤدي عادة إلى تراكم النظير الأثقل من النيتروجين.
أما لدى البشر ومعظم الحيوانات الأخرى، فيُعالج البروتين بطريقة أكثر تعقيدا وأقل دقة، ما يسبب تغيرا أكبر في التركيب النظائري للأنسجة.
دلالات مهمة لعلم البيئة
تشير هذه النتائج إلى أن انخفاض قيمة δ¹⁵N لا يعني بالضرورة اتباع نظام غذائي نباتي، بل قد يعكس كفاءة عملية الأيض وجودة البروتين في الغذاء.
ويمثل ذلك تنبيها مهما لعلماء البيئة، إذ قد تؤدي التحليلات النظائرية إلى استنتاجات مضللة إذا لم تؤخذ الخصائص الفسيولوجية لكل نوع في الاعتبار.
أسئلة علمية ما تزال مفتوحة
يؤكد الباحثون أن الأسباب الدقيقة وراء هذا الانخفاض الكبير في التراكم الغذائي لدى القطط لم تُفهم بالكامل بعد. كما أن الدراسة ركزت على الفراء والشوارب فقط، ولا يزال من غير المعروف ما إذا كان التأثير نفسه يظهر في الدم أو العضلات أو العظام.