اتجاهات التسلح الحديثة ودورها في إعادة تشكيل موازين القوة عالميا

من المسيرات إلى الصواريخ.. كيف تعيد الحروب الحديثة رسم خريطة القوة العسكرية عالميا (مصدر الصورة: Defense Arabia) من المسيرات إلى الصواريخ.. كيف تعيد الحروب الحديثة رسم خريطة القوة العسكرية عالميا (مصدر الصورة: Defense Arabia)

أفاد تقرير فني لموقع Defense Arabia أن الحروب المعاصرة، لا سيما في أوكرانيا والشرق الأوسط، كشفت عن تحول جذري في مفهوم القوة العسكرية، حيث لم يعد التفوق مرتبطا فقط بامتلاك أنظمة متقدمة تقنيا، بل بقدرة الدول على تشغيل المنظومات والإنتاج العسكري المستمر خلال زمن الحرب، إذ أصبحت استدامة العمليات وتعويض الخسائر بسرعة عاملا حاسما في تحديد نتائج الصراع.

وفي كثير من الحالات تفوقت القدرة على الاستمرارية على الدقة التقنية للسلاح نفسه، فالسلاح الذي يصعب تعويضه يتحول إلى نقطة ضعف إستراتيجية، بينما يبرز السلاح القابل للإنتاج المتكرر كعنصر حاسم في تحقيق الصمود وفرض التوازن على أرض المعركة، وهذا التحول يعكس طبيعة الحروب طويلة الأمد التي تتطلب موارد صناعية وبشرية مستدامة، وليس مجرد تفوق تقني محدود.

الانتقال من أسلحة النخبة إلى نموذج الحروب القابلة للتوسع

وبحسب تقرير الموقع أظهرت الحرب الروسية الأوكرانية، إلى جانب النزاعات في الشرق الأوسط، انتقالا واضحا من الاعتماد على أسلحة النخبة إلى مفهوم الحروب القابلة للتوسع، حيث أصبح معيار الفاعلية مرتبطا بالقدرة على الإنتاج السريع للسلاح والتكلفة المنخفضة وسهولة التعويض.

فلم يعد امتلاك منظومات متطورة بأعداد محدودة كافيا لتحقيق التفوق، بل بات من الضروري امتلاك مزيج متوازن يجمع بين الدقة والكثافة، فهذا النموذج الهجين يتيح للقوات المسلحة تنفيذ عمليات مستمرة مع الحفاظ على الضغط العملياتي على الخصم عبر كثافة النيران واستدامة الاستخدام.

ويعد هذا التوجه مهما للدول التي تواجه تحديات جيوسياسية مستمرة، حيث تمتلك الدول القدرة على الاستثمار في كلا المسارين التقني والكمي، بما يعزز جاهزيتها الإستراتيجية ويمنحها مرونة في إدارة الصراعات المختلفة.

الطائرة المسيرة الإيرانية الانتحارية شاهد 136 (مصدر الصورة: arabicradio.net‏)

المسيرات والمدفعية تعيدان تشكيل ديناميكيات المعركة

وأشار الموقع إلى أنه منذ عام 2020 برزت المسيرات كأحد أهم أدوات الحرب الحديثة، حيث تطور استخدامها من مهام الاستطلاع إلى تنفيذ هجمات دقيقة ومكثفة، خاصة عبر المسيرات الانتحارية التي تستخدم بأسلوب الإغراق لتجاوز الدفاعات الجوية، وقد قدرت التقديرات استخدام نحو مليوني مسيّرة حتى عام 2026، وهو رقم يعكس حجم التحول في طبيعة العمليات العسكرية.

كما ترافق ذلك مع عودة قوية للمدفعية التقليدية والصاروخية التي أثبتت فعاليتها في المعارك البرية واسعة النطاق، حيث استخدمت لتدمير التحصينات وخطوط الدفاع والبنية التحتية العسكرية.

وتشير البيانات إلى إطلاق روسيا أكثر من ثلاثين مليون قذيفة مدفعية مقابل نحو خمسة عشر مليون قذيفة من الجانب الأوكراني، ما يوضح دور الكثافة النارية في حسم الاشتباكات، كما عززت القذائف الموجهة من دقة المدفعية مع الحفاظ على كلفة منخفضة نسبيا، ما جعلها أداة مثالية في بيئة القتال الحديثة.

الصواريخ والدفاع الجوي ودورها معادلة الردع والسيطرة

وذكر للموقع أن الصواريخ الباليستية والجوالة برزت كأدوات إستراتيجية تستخدم لضرب الأهداف عالية القيمة مثل مراكز القيادة والسيطرة والمنشآت الحيوية والمطارات ومحطات الطاقة، حيث تلعب دورا محوريا في الحروب بعيدة المدى، كما يظهر في التوترات الإقليمية الحالية.

وفي المقابل أصبحت منظومات الدفاع الجوي متعددة الطبقات Multi Layered Air Defense (MLAD) ضرورة حتمية لمواجهة التهديدات الجوية المتزايدة، حيث تعتمد على توزيع طبقات دفاعية تغطي مختلف الارتفاعات والمسافات لضمان اعتراض التهديدات بشكل متدرج.

ورغم فعاليتها تواجه هذه المنظومات تحديات كبيرة مثل الطائرات الشبحية والصواريخ فرط صوتية واستراتيجيات إغراق الدفاعات الجوية، ما يفرض تطوير حلول متكاملة تشمل الحرب الإلكترونية والإنذار المبكر وتنسيق النيران ضمن شبكة موحدة تحقق التوازن بين الكفاءة التشغيلية والتكلفة الاقتصادية.

اقتصاد الحرب والتكامل الدفاعي مفتاح الصمود الإستراتيجي

وكشف الموقع أنه في ظل هذه التحولات، أصبحت إدارة اقتصاد الحرب عنصرا مركزيا في بناء القوة العسكرية، حيث تسعى الدول إلى تحقيق توازن دقيق بين الكلفة والفاعلية عبر اختيار الوسائل القتالية المناسبة لكل تهديد، بدلا من الاعتماد على حلول باهظة الثمن بشكل دائم.

كما يبرز التكامل بين الأنظمة المختلفة كعامل حاسم في رفع كفاءة العمليات، من خلال ربط الدفاع الجوي مع الحرب الإلكترونية ومنظومات الاستشعار والإنذار المبكر ضمن شبكة قيادة وسيطرة موحدة، ويتيح هذا التكامل توزيع الأدوار بشكل فعال وتقليل الهدر في الموارد، مع تعزيز القدرة على مواجهة سيناريوهات معقدة مثل الهجمات المشبعة والمتعددة المحاور.

وفي هذا السياق لا يقتصر التفوق العسكري على امتلاك السلاح، بل يمتد إلى القدرة على إدارته وتشغيله بكفاءة ضمن منظومة متكاملة تضمن الاستمرارية وتحقيق الأهداف الإستراتيجية طويلة المدى.