كشف تقرير لـ المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS أن استثمارات الدول الأوروبية في قدرات الفضاء العسكري لا تقل عن 109 مليار دولار حتى حلول عام 2030، وفي ظل الحرب الروسية على أوكرانيا والاعتماد المفرط على الولايات المتحدة في المجال الفضائي، فإن أي عملية عسكرية روسية كبرى ضد حلف شمال الأطلسي NATO ستجري في بيئة فضائية متنازع عليها،
حيث تمتلك روسيا قدرات مضادة استراتيجية، تشمل أنظمة مضادة للأقمار الصناعية والتشويش والعمليات الإلكترونية، مما يجعل الأنظمة الفضائية الأوروبية أهدافا ذات أولوية في أي صراع عالي الكثافة.
كما يلفت التقرير إلى أن الاعتماد الأوروبي على الخدمات الفضائية المتمثلة في الاتصالات عبر الأقمار الصناعية، وأنظمة التموضع والملاحة والتوقيت مثل GPS وGalileo، والمراقبة الأرضية Earth observation، يشكل نقطة ضعف استراتيجية، إذ تشكل هذه الأنظمة وقطاعاتها الأرضية أصولا حرجة ستستهدف في أي نزاع مستقبلي.
الفجوات الحرجة في القدرات والاعتماد على الولايات المتحدة
ويركز التقرير على الفجوات الأكثر حدة في القدرات الفضائية الأوروبية، والتي تتمثل في الإطلاق، والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع الفضائي، والإنذار المبكر للصواريخ، والوعي بالوضع الفضائي عالي المستوى.
ورغم إعلانات دول أوروبية كبرى، مثل ألمانيا التي تستثمر 35 مليار يورو، وفرنسا 10.2 مليار يورو، والاتحاد الأوروبي 10.6 مليار يورو، لإطلاق كوكبة أقمار اتصالات آمنة، إلا أن هذه الاستثمارات لا تتبع استراتيجية متماسكة تمكنها من إغلاق الفجوات الأكثر خطورة خلال هذا العقد.
ويقيم التقرير نموذجين يساعدان في التخفيف أو الاستقلال عن المساعدة الأمريكية: الأول هو تقاسم العبء في المسرح الأوروبي، ويتطلب 10 مليارات دولار إضافية على الأقل للتخفيف من الفجوات التشغيلية الأكثر أهمية، مع تنفيذ يستغرق عقدا على الأقل.
أما النموذج الثاني فهو الاستقلال، ويتطلب 25 مليار دولار إضافية كحد أدنى لإنشاء قدرات فضائية تشغيلية مستقلة، لكن لا يمكن نشرها وتجهيزها قبل عام 2040، وتستبعد هذه الأرقام معظم تكاليف البنية التحتية الأرضية والأفراد والتدريب والمرونة الإلكترونية والنفقات العامة الأوسع.
التحديات الهيكلية التي تعيق الاستقلال الأوروبي في الفضاء العسكري
ويحذر التقرير من أنه حتى في ظل نموذج تقاسم العبء، لا تستطيع أوروبا نشر بنية إنذار مبكر للصواريخ ذو سيادة كاملة، أو مضاهات النطاق العالمي، بالإضافة إلى الاستمرارية في قدرات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع مقارنة بالجانب الأميركية، أو منافسة اتساع وتغطية شبكة الوعي بالوضع الفضائي الأميركية، كما سيبقى توسيع قدرات إطلاق الأقمار المتوسطة والثقيلة خلال هذا العقد تحديا كبيرا.
ويخلص التقرير إلى ثلاث نتائج رئيسية: أولا، الاستثمارات الأوروبية الكبيرة تفتقر إلى استراتيجية متماسكة، مما يجعل النتيجة مجرد تجميع للأنظمة الوطنية بدلا من بنية تشغيلية متكاملة، ثانيا إن الفجوات الأصعب في السد هي بالضبط في المجالات التي يكون فيها الاعتماد الأكبر على الولايات المتحدة، لأن هذه القدرات تحتاج رأس المال كبير وقدرة توزيع عالمي بالإضافة إلى الحساسية الزمنية.
أما ثالثا فلا يمكن تحقيق قدر أكبر من الاستقلال الأوروبي في الفضاء بمجرد زيادة عدد الأقمار الصناعية فقط، بل يتطلب ذلك قطاعا فضائيا أوروبيا صامدا يشمل قطاعات أرضية محصنة، ووصولا مضمونا إلى الإطلاق، وترتيبات متكاملة للقيادة والتحكم، وأطرا آمنة لتبادل البيانات، وإجراءات متفق عليها داخل الناتو للتكليف والتوظيف.
الخلاصة وتوصيات التقرير
ويرى التقرير أن تحقيق استقلال فضائي أوروبي أكبر ممكن تقنيا، لكنه يتطلب تحديات سياسية ومالية وصناعية كبيرة.
ويوصي التقرير بإعطاء الأولوية لإغلاق الفجوات الأكثر خطورة استراتيجيا، وتعميق التنسيق بين الدول الأوروبية القادرة في مجال الفضاء EMSCA، إلى جانب برامج الاتحاد الأوروبي ووكالة الفضاء الأوروبية ESA، بالإضافة إلى تعزيز القدرات الصناعية الأوروبية.
ويؤكد التقرير أن المصداقية التشغيلية تعتمد على بنية تحتية مرنة، وليس فقط على عدد الأصول الفضائية.