فقدت فلسطين عامةً ومدينة طولكرم خاصةً، علماً من أعلامها البارزين وقامةً مهنية وطنية قلّ نظيرها، برحيل المحاسب القانوني القدير محمد محمود حوسوا "أبو محمود"، أحد أوائل مؤسسي العمل المحاسبي المنظم في فلسطين، والذي انتقل إلى جوار ربه مخلفاً إرثاً غنياً من العطاء العلمي والنزاهة المهنية.
حيث يعتبر المرحوم محمد محمود حوسوا، نموذجا لجيل الرواد الذين آمنوا بأن التحرر والبناء يبدآن من سلاح المعرفة، فخاض غمار التعليم في أصعب الظروف وأكثرها تعقيداً، إذ بدأ الفقيد رحلة العلم من مدرسة الفاضلية الثانوية في طولكرم، ليكمل مشواره العلمي في القاهرة، حيث نال شهادته الجامعية في علوم المحاسبة في زمن كان فيه التعليم كفاحا استثنائيا، ولم يكتفِ بذلك، بل واصل شغفه المعرفي حتى نال درجة الماجستير من جامعة النجاح الوطنية في مرحلة متقدمة من حياته، ليضرب مثلاً حياً في أن العلم لا يحده عمر.
ويسجل للراحل "أبو محمود" ريادته البارزة في سبعينيات القرن الماضي، حين افتتح أول مكتب للمحاسبة القانونية في مدينة طولكرم، ومن ثم توسع نحو مدينة نابلس، ليصبح مرجعا مهنيا موثوقا للقطاع الاقتصادي والتجاري في الضفة الغربية.
ولم تقتصر بصماته على العمل الخاص، بل كان ركيزة أساسية في المؤسسات الوطنية مسهما في بناءها السليم وتنظيمها الدقيق، حيث شغل منصب محاسب مستشفى طولكرم الحكومي، وساهم في تطوير نظامها المالي والإداري، كما ساهم بخبراته الأكاديمية في نقل المعرفة لجيل المستقبل من خلال عمله محاضرا في جامعة النجاح الوطنية.
كما التحق المرحوم حوسوا، بمؤسسات الدولة الفلسطينية الناشئة مع قدوم السلطة الفلسطينية، وتولى مناصب قيادية في قطاع الضريبة الإضافية.
ولم يكن "أبو محمود"، ناجحا في العمل المهني والأكاديمي فحسب، بل كان ناجحا في بناء أسرته، وتجسد نجاحه التربوي في ابنته الدكتورة عصمت حوسوا، التي سارت على درب والدها في العلم والتميز، وتعد الدكتورة عصمت اليوم قامة أكاديمية عربية بارزة، فهي باحثة متخصصة في علم الاجتماع، ومؤسسة مركز الجندر للاستشارات في الأردن، ومؤلفة للعديد من الكتب الرائدة، مما جعلها امتداداً مشرقاً لإرث عائلتها التي عُرفت بالاجتهاد والتميز العلمي.
وقد عُرف الراحل بدماثة الخلق، والتواضع، والنزاهة، وكان مثالا في الأخلاق والقيم، صادقا في كل أثر تركه، مخلصا لمدينته طولكرم ولوطنه فلسطين، مما جعله يحظى باحترام كافة الأوساط المهنية والاجتماعية، فكان بحق مثال الرجل النبيل الذي صاغ خلال عقود، مسيرة إنسانية ومهنية ستبقى محفورة في ذاكرة الأجيال والوجدان الجمعي لكل من عرفه.
ومن هنا، فإن رحيل "أبو محمود" لا يمثل غيابا لشخصه الفذ فحسب، بل هو فقدان لركيزة مهنية ورمز وطني جسد في حياته أرقى معايير التفاني والالتزام، ورغم جرح هذا الفراق، فإن سيرته العطرة ستبقى منارة تلهم الأجيال، وشاهدا حيا على جيل الرواد الذين لم ينتظروا الإمكانيات بل صنعوها بجهدهم، وشيدوا صروح المؤسسات بعرقهم، ليبقى اسم فلسطين عاليا بإخلاصهم الذي لا ينطفئ أثره.