كشف موقع الدفاع العربي أن موسكو أعلنت أنها لا تعول على هدايا خارجية من إيران أو كوريا الشمالية أو حتى الصين، مؤكدة توجهها القوي نحو الاعتماد الذاتي في تطوير منظومة المسيرات المتكاملة، وتشمل هذه المنظومة طائرات صغيرة ومتوسطة المهام، قادرة على تنفيذ ضربات دقيقة تستهدف الأعداء بكفاءة عالية، وبمستوى يوازي أحدث النماذج العالمية، وتضيف القيادة الروسية أن مكانتها كأكبر قوة نووية في العالم تجعل هذا المسار الصناعي والعسكري ضمن نطاق قدراتها وإمكاناتها الذاتية.
وفي تطور مواز يشهد التوجه العسكري الروسي إعادة ترتيب واضحة للأولويات، حيث أصدرت القيادة توجيهات للقطاعين العسكري والصناعي بزيادة إنتاج الطائرات المسيرة المزودة بتقنيات الرؤية من منظور الشخص الأول FPV خلال العام الجاري، إلى جانب رفع وتيرة تصنيع الرؤوس الحربية المخصصة لمختلف أنواع هذه الطائرات.
الحرب في أوكرانيا تعيد توجيه الإنتاج العسكري نحو المسيرات
وذكر الموقع عن بيانات رسمية تعكس قفزة لافتة في قطاع الطائرات المسيرة الروسية، حيث تجاوز معدل النمو 110% خلال الأشهر الأخيرة، مقارنة بنحو 68% خلال عام 2025 بالكامل، وينظر إلى هذا التحول باعتباره استجابة مباشرة لتغيرات ميدان القتال في أوكرانيا التي فرضت أنماطا جديدة في طبيعة الإنتاج والتسليح.
لكن هذا التوجه الصناعي جاء على حساب مجالات أخرى، إذ تزامن مع تباطؤ حاد في نمو الصناعات المرتبطة بالمعدات الثقيلة والذخائر ومكونات الصواريخ، حيث انخفض معدل النمو إلى ما بين 4 و5% فقط بعد أن كان يقترب من 30% في السنوات السابقة.
وترى موسكو أن حسم الحرب في أوكرانيا، رغم الدعم الغربي الهائل لكييف، لن يكون عبر الصواريخ الباليستية أو منصات الإطلاق أو حتى الدبابات التقليدية، بل عبر أدوات أكثر سرعة ودقة في بيئة القتال الحديثة، مما يعكس تحولا واضحا نحو إعطاء أولوية متزايدة لصناعة المسيرات الذكية.
ويعكس ما يحدث تحولا أعمق في بنية الموازنات الدفاعية الروسية وآليات الإنفاق العسكري، إذ بات التركيز منصبا على رفع أعداد المنظومات المنتجة بدلا من الاعتماد على الأنظمة التقليدية الثقيلة عالية التعقيد، بما يتيح وتيرة تصنيع أسرع وقدرة أعلى على التكيف مع احتياجات الحرب المتغيرة بسرعة.
الطائرة المسيرة الانتحارية الروسية من طراز لانسيت (مصدر الصورة: موقع الدفاع العربي)
التحول الصناعي يغير معادلة التسليح الروسية في ساحات القتال
وأوضح الموقع أن روسيا في المراحل الأولى من الحرب اعتمدت بشكل ملحوظ على الإمدادات الخارجية، خصوصا من إيران بما في ذلك طائرات شاهد التي كانت تستورد بتكلفة تقارب 370 ألف دولار للوحدة الواحدة، غير أن موسكو تمكنت لاحقا من تطوير قاعدة صناعية محلية واسعة، تجاوزت استثماراتها 1.7 مليار دولار، ومع هذا التحول الصناعي الضخم تراجعت تكلفة إنتاج المسيرة الواحدة داخل روسيا بشكل كبير، لتستقر بين 50 و70 ألف دولار، بعد عمليات نقل التكنولوجيا وتوسيع خطوط الإنتاج المحلية.
وعند المقارنة مع الصين وتركيا والدول الغربية، تميل المقاربة الروسية بوضوح إلى التركيز على الكم أكثر من الدقة، ضمن استراتيجية استنزاف تقوم على إنتاج أعداد كبيرة من المسيرات، حتى وإن كانت أقل تطورا تقنيا من نظيراتها لدى المنافسين، ورغم هذا التطور لا تزال هناك فجوة تكنولوجية واضحة، إذ تتمتع بعض الدول بتفوق في دقة الأنظمة ومستوى التقنيات المتقدمة، بينما تميل روسيا إلى التركيز على زيادة حجم الإنتاج بهدف تحقيق تأثير ميداني واسع النطاق.
أما اقتصاديا فتعمل روسيا ضمن إطار اقتصاد حرب حقيقي، حيث تدعم الصناعات الدفاعية القطاعات المرتبطة بها، لكنها في المقابل تخلق أعباء طويلة الأجل على معدلات النمو والرفاه الاقتصادي المستقبلي.
الدروس المستفادة من الحرب وتحديات العقوبات
وبحسب الموقع إن هناك ثلاثة محاور أساسية مستفادة من الحرب، يأتي في مقدمتها تزايد أهمية الكفاءة في الإنفاق الدفاعي، حيث باتت الطائرات المسيرة أكثر فاعلية من بعض الأسلحة التقليدية في عدد من السيناريوهات القتالية.
أما المحور الثاني فيتمثل في ترسيخ منطق الاستنزاف، حيث باتت الحروب تعتمد بشكل متزايد على استخدام كميات كبيرة من الأسلحة منخفضة التكلفة لاستنزاف الخصم، مما ينقل طبيعة الصراع من البعد العسكري المباشر إلى البعد الاقتصادي.
في حين يرتبط المحور الثالث بالتطور التكنولوجي، خصوصا الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، التي باتت تلعب دورا محوريا في رفع دقة العمليات وتسريع اتخاذ القرار في الميدان.
ورغم هذا التطور لا تزال روسيا تواجه تحديات بارزة، في مقدمتها تأثير العقوبات الغربية التي تحد من وصولها إلى بعض المكونات الإلكترونية والتقنيات الدقيقة الضرورية لسلاسل الإنتاج، كما تعتمد موسكو بشكل متزايد على التعاون الخارجي، خصوصا مع الصين وإيران، في مجالات التكنولوجيا والدعم الصناعي، بما يشمل الذكاء الاصطناعي والتقنيات المرتبطة بالصناعات الدفاعية، حيث تظل الشراكات مع الصين عاملا أساسيا في دعم جهود تطوير منظومة الطائرات المسيرة الروسية خلال المرحلة الراهنة.