نجح فريق من العلماء في تطوير نموذج جديد يُعرف باسم " الساعة البيولوجية الجينية "، والذي يمكنه تقدير العمر البيولوجي للأفراد والتنبؤ بمخاطر الوفاة بشكل أكثر دقة من بعض الأدوات التقليدية المستخدمة حاليا في أبحاث الشيخوخة.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Nature، حيث يرى الباحثون أن الأداة الجديدة قد تسهم في فهم كيفية تسارع أو تباطؤ عملية الشيخوخة لدى البشر والحيوانات.
الفرق بين العمر الزمني والعمر البيولوجي
يعبر العمر الزمني عن عدد السنوات التي عاشها الإنسان منذ ولادته، بينما يشير العمر البيولوجي إلى الحالة الفعلية لأعضاء الجسم وخلاياه ومدى تأثرها بعوامل التقدم في العمر والأمراض والضغوط البيئية.
ولهذا السبب قد يمتلك شخصان العمر الزمني نفسه، لكن يختلف عمرهما البيولوجي بشكل كبير تبعا لنمط الحياة والحالة الصحية والعوامل الوراثية.
الشيخوخة البيولوجية ( مصدر الصورة: Harvard Medical School )
كيف تعمل الساعة الجديدة؟
تعتمد الأداة الجديدة على تحليل نشاط الجينات من خلال دراسة جزيئات الحمض النووي الريبي (RNA)، المسؤولة عن نقل التعليمات الجينية لإنتاج البروتينات داخل الخلايا.
ويُطلق على هذا النوع من النماذج اسم "الساعة الترانسكريبتومية" أو "ساعة التعبير الجيني"، لأنها تراقب الجينات النشطة وغير النشطة داخل الجسم.
ومع تغير أنماط نشاط الجينات بمرور الوقت، يستطيع النموذج تحديد مؤشرات مرتبطة بعملية الشيخوخة والصحة العامة.
دراسة شملت أكثر من 11 ألف عينة
اعتمد الباحثون على قاعدة بيانات واسعة ضمت أكثر من 11 ألف عينة بيولوجية من أربعة أنواع من الثدييات:
الإنسان.
الفئران.
الجرذان.
قرود المكاك.
وقام العلماء بمقارنة عمليات الشيخوخة بين الأنواع المختلفة، وكذلك بين أعضاء وأنسجة متعددة داخل الجسم.
وساعد هذا النهج في تحديد مؤشرات جينية مشتركة ترتبط بالتقدم في العمر بغض النظر عن نوع الكائن الحي أو العضو المدروس.
الجينات التي تبطئ الشيخوخة
أظهرت الدراسة أن بعض الجينات المرتبطة بالعمليات الحيوية الصحية كانت مؤشرات على تباطؤ الشيخوخة البيولوجية، ومن أبرزها الجينات المسؤولة عن:
انقسام الخلايا بصورة سليمة.
إصلاح الأنسجة والجروح.
حماية الخلايا من الإجهاد البيولوجي.
في المقابل، ارتبطت الجينات المرتبطة بالالتهابات المزمنة وموت الخلايا بتسارع الشيخوخة وارتفاع العمر البيولوجي.
قدرة على التنبؤ بمخاطر الوفاة
أكد الباحثون أن النموذج الجديد تمكن من تقييم سرعة الشيخوخة البيولوجية بدقة جيدة، كما نجح في تقدير مخاطر الوفاة المستقبلية لدى الأفراد.
وعند اختباره على عينات دم بشرية، قدم نتائج مماثلة لأفضل الساعات الجينية المعتمدة على التغيرات الكيميائية في الحمض النووي، والمعروفة باسم "الساعات الإبيجينية".
كما استطاع رصد التأثيرات المرتبطة بالأمراض المزمنة التي تسرّع عملية التقدم في العمر.
مؤشرات موحدة بين البشر والحيوانات
من أبرز نتائج الدراسة اكتشاف أن العديد من المؤشرات الجينية المرتبطة بالشيخوخة كانت متشابهة بين الأنواع الأربعة التي شملتها الدراسة.
فالجينات المرتبطة بالتقدم في العمر داخل الكبد والقلب لدى الفئران أظهرت أنماطا مشابهة لتلك الموجودة لدى البشر.
كما ظهرت هذه المؤشرات في أنواع مختلفة من الخلايا، بما في ذلك:
خلايا العضلات.
خلايا الدم.
أنسجة الأعضاء الحيوية المختلفة.
ويرى الباحثون أن هذا التشابه يعزز موثوقية هذه المؤشرات باعتبارها علامات حقيقية على الشيخوخة البيولوجية.
هل يمكنها تحديد موعد الوفاة؟
رغم العناوين المثيرة التي رافقت الدراسة، يؤكد العلماء أن الساعة الجديدة لا تستطيع تحديد موعد وفاة شخص بعينه أو عدد الأيام المتبقية في حياته.
لكنها توفر تقديرا إحصائيا لمستوى التقدم في العمر البيولوجي مقارنة بالعمر الزمني، ومدى ارتباط ذلك بمخاطر الأمراض والوفاة.
استخدامات مستقبلية واعدة
يرى الباحثون أن هذه التقنية قد تصبح أداة مهمة لتقييم فعالية العلاجات المضادة للشيخوخة أو تأثير تغييرات نمط الحياة دون الحاجة إلى انتظار سنوات طويلة لرصد النتائج.
ومن بين الاستخدامات المحتملة:
تقييم فعالية الأدوية الجديدة.
قياس تأثير الحميات الغذائية.
دراسة آثار النشاط البدني.
متابعة تأثير الأمراض المزمنة على الشيخوخة.
تطوير استراتيجيات صحية لإبطاء التقدم البيولوجي في العمر.
عوامل تؤثر في سرعة الشيخوخة
تشير الأبحاث الحالية إلى أن سرعة الشيخوخة البيولوجية تتأثر بعدة عوامل، من أبرزها:
التغذية الصحية المتوازنة.
النشاط البدني المنتظم.
جودة النوم.
الأمراض المزمنة.
التعرض للتلوث البيئي.
ويعتقد العلماء أن فهم هذه العوامل بشكل أفضل قد يساعد مستقبلًا في تحسين الصحة وإطالة سنوات الحياة الصحية.
الحاجة إلى مزيد من الدراسات
رغم النتائج الواعدة، يؤكد الباحثون أن الأداة لا تزال بحاجة إلى مزيد من الاختبارات على مجموعات بشرية أكثر تنوعًا من حيث الأعمار والخلفيات الصحية والعرقية.
كما يعمل الفريق على تطوير النموذج ليصبح أكثر دقة في قياس الفروق الفردية المرتبطة بعملية الشيخوخة.