أشار موقع الدفاع العرب إلى أن مستقبل الحروب يتجه بوتيرة متسارعة نحو عصر أسلحة الطاقة الموجهة، حيث لم يعد التفوق العسكري مرتبطاً فقط بعدد الصواريخ والطائرات، بل أصبح رهناً بالقدرة على التحكم في التكنولوجيا المتقدمة وسلاسل التوريد والمعادن الاستراتيجية.
غير أن المفارقة التي تواجه الولايات المتحدة تتمثل في أن الطريق نحو هذا المستقبل يمر إلى حد كبير عبر الصين، المنافس الجيوسياسي الأول لواشنطن، وكشفت الحروب والصراعات الأخيرة، ولا سيما الاستخدام المكثف للطائرات المسيرة والذخائر منخفضة الكلفة، عن حجم الاستنزاف الذي تتعرض له أنظمة الدفاع الجوي التقليدية.
فالتصدي لأهداف رخيصة الثمن بواسطة صواريخ اعتراضية باهظة التكلفة فرض على الجيوش الكبرى البحث عن بدائل أكثر كفاءة وأقل كلفة، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى تسريع تطوير أسلحة الليزر والموجات الكهرومغناطيسية القادرة على اعتراض الأهداف بسرعة كبيرة وكلفة تشغيلية محدودة.
محاولات أميركية لبناء بدائل محلية تواجه تحديات طويلة الأمد
وأفاد الموقع أن الولايات المتحدة استثمرت مئات الملايين من الدولارات في برامج تطوير أنظمة الليزر القتالية عالية القدرة، باعتبارها جزءاً أساسياً من منظومات الدفاع المستقبلية، إلا أن هذا التوجه كشف عن معضلة استراتيجية جديدة، إذ تعتمد هذه التقنيات على مكونات ومواد تهيمن الصين على إنتاجها وسلاسل توريدها عالمياً.
وتشمل هذه المواد العناصر الأرضية النادرة، والمغانط الدائمة، وأشباه الموصلات، والبصريات المتقدمة، إضافة إلى أنظمة الطاقة والتبريد الضرورية لتشغيل أسلحة الطاقة الموجهة، ولا يقتصر النفوذ الصيني على امتلاك المواد الخام فقط، بل يمتد إلى السيطرة على أجزاء كبيرة من سلاسل التصنيع والإلكترونيات المرتبطة بهذه الصناعات الحساسة.
وتدرك واشنطن أن اعتمادها على المواد الصينية يمثل نقطة ضعف استراتيجية، لذلك تعمل على تقليص هذا الاعتماد من خلال الاستثمار في استخراج العناصر الأرضية النادرة ومعالجتها داخل الولايات المتحدة، فضلاً عن إعادة بناء سلاسل توريد محلية أو صديقة، غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب سنوات طويلة واستثمارات ضخمة، في ظل الهيمنة الصينية الراهنة على السوق العالمية لهذه المواد، وهو ما يضع برامج التسلح الأميركية الحرجة في موقف صعب قد يؤخر وصولها إلى مرحلة الإنتاج التشغيلي.
نظام الدفاع الجوي الليزري الصيني الصياد الصامت Silent Hunter (مصدر الصورة: وسائل الإعلام الحكومية الصينية)
الفضاء والطاقة الموجهة ساحات جديدة للتنافس العسكري
وكشف الموقع أنه في الوقت الذي تسارع فيه الولايات المتحدة لتطوير منظوماتها الليزرية، تمتلك الصين بالفعل عددا من الأنظمة التشغيلية في هذا المجال، أبرزها منظومة Silent Hunter المخصصة للتصدي للطائرات المسيّرة والأهداف الجوية منخفضة الارتفاع، وتُعد هذه المنظومة من أوائل أسلحة الليزر الصينية التي جرى الكشف عنها علناً، حيث تعتمد على توجيه حزمة ليزر عالية الطاقة لإعطاب أو تدمير الأهداف الجوية بتكلفة تشغيلية منخفضة مقارنة بالصواريخ الاعتراضية التقليدية.
كما تعمل بكين بالتوازي على تطوير أنظمة موجات دقيقة عالية القدرة مضادة لأسراب المسيّرات، إضافة إلى مشاريع متقدمة في مجال الليزر المخصص لمهام الحرب الفضائية ومواجهة الأقمار الصناعية في المدارات المنخفضة.
ويرى مراقبون أن طبيعة الصراع بين الولايات المتحدة والصين لم تعد تقتصر على المنافسة العسكرية التقليدية، بل انتقلت إلى مجالات أكثر تعقيدا تشمل الفضاء والسيبرانية والطاقة الموجهة، حيث باتت الحروب الحديثة تُخاض عبر مجالات متعددة تتجاوز البر والبحر والجو، لتشمل الفضاء الخارجي والشبكات الرقمية والبنى التكنولوجية الحساسة، ويشكل تفوق الصين في امتلاك أنظمة ليزرية تشغيلية بالفعل ميزة إضافية في هذا السباق، خصوصا أن هذه الأنظمة أثبتت فعاليتها في اختبارات ميدانية ضد أهداف جوية متنوعة.
أسراب المسيرات تفرض معادلة جديدة وأميركا تواجه سباقا مع الزمن
ولفت الموقع إلى أن التقديرات العسكرية تشير إلى أن الحروب المستقبلية قد تشهد أسراباً ضخمة من المسيّرات تتواجه فيما بينها في السماء، الأمر الذي سيجعل أنظمة الليزر والموجات الكهرومغناطيسية خيارا أكثر فعالية من الصواريخ التقليدية في مواجهة هذا النوع من التهديدات المتزايدة التعقيد.
كما أن التطورات المتسارعة في مجالات الفضاء والاتصالات والأقمار الصناعية تجعل الصراع على التكنولوجيا والمعادن الاستراتيجية عاملاً حاسماً في تحديد موازين القوى العالمية، فالدول التي تسيطر على الموارد الحيوية والتقنيات المتقدمة ستكون الأقدر على فرض نفوذها العسكري والاقتصادي في المستقبل.
وفي ضوء هذه التحولات، يبدو أن المنافسة بين بكين وواشنطن تتجه نحو مرحلة جديدة تتجاوز سباق التسلح التقليدي، لتصبح معركة على السيطرة على المعرفة والتكنولوجيا والموارد النادرة، فالتفوق العسكري في القرن الحادي والعشرين لن يُقاس فقط بحجم الترسانات العسكرية، بل أيضاً بالقدرة على التحكم في مصادر الطاقة المتقدمة والمعادن الاستراتيجية وسلاسل الإمداد العالمية التي تقوم عليها صناعات المستقبل، وتواجه واشنطن سباقا مع الزمن لتأمين احتياجاتها من هذه المواد قبل أن تعزز الصين تفوقها التكنولوجي إلى درجة يصعب معها اللحاق.