توصل فريق بحثي من University of California, San Francisco إلى نتائج جديدة قد تساعد في تفسير سبب تمزق بعض تمددات الأوعية الدموية الدماغية بينما تبقى أخرى مستقرة لسنوات طويلة دون أن تسبب مشكلات صحية.
وتوفر الدراسة، المنشورة في مجلة Nature Neuroscience، خريطة تفصيلية للخلايا الموجودة داخل جدران الشرايين الدماغية، وتوضح التفاعلات البيولوجية التي تؤدي إلى إضعاف الأوعية الدموية وزيادة خطر انفجارها، وهو ما قد يساهم مستقبلاً في تطوير وسائل أكثر دقة للتنبؤ بالسكتات الدماغية والوقاية منها.
ما هو تمدد الأوعية الدموية الدماغية؟
تمدد الأوعية الدموية الدماغية هو انتفاخ أو بروز يتشكل في جدار أحد الأوعية الدموية داخل الدماغ نتيجة ضعف موضعي في جدار الشريان.
وفي كثير من الحالات، لا يسبب هذا التمدد أي أعراض لسنوات طويلة، لكن تمزقه قد يؤدي إلى نزيف دماغي حاد وسكتة دماغية خطيرة قد تكون مميتة.
ويُقدر الباحثون أن نحو شخص واحد من كل 50 شخصا يحمل تمددا وعائيا دماغيا، إلا أن الأطباء لا يزالون يواجهون صعوبة في تحديد أي الحالات أكثر عرضة للتمزق.
تحليل أكثر من 100 ألف خلية
اعتمدت الدراسة على تحليل أكثر من 100 ألف خلية منفردة مأخوذة من تمددات وعائية بشرية ومن شرايين دماغية سليمة للمقارنة.
وتمكن الباحثون من تحديد:
19 نوعا مختلفا من الخلايا.
الجينات النشطة داخل كل نوع.
كيفية توزع هذه الخلايا داخل جدار الشريان.
وأظهرت النتائج اختلافات جوهرية بين الشرايين السليمة وتلك المصابة بتمدد وعائي.
ماذا يحدث داخل جدار الشريان؟
في الحالة الطبيعية، يتكون جدار الشريان من ثلاث طبقات رئيسية:
طبقة داخلية رقيقة تبطن الوعاء الدموي.
طبقة وسطى غنية بخلايا العضلات الملساء تساعد الشريان على التمدد والانقباض مع نبضات القلب.
طبقة خارجية من الخلايا الليفية تمنح الجدار دعامة هيكلية.
لكن الباحثين وجدوا أن هذه البنية المنظمة تختل بشكل واضح داخل التمددات الوعائية.
فقد اختفت أعداد كبيرة من خلايا العضلات الملساء، وحلت محلها خلايا ليفية متحولة أطلق عليها الباحثون اسم "الخلايا الليفية النشطة".
وتؤدي هذه الخلايا إلى:
زيادة تصلب جدار الشريان.
تقليل مرونته.
إضعاف قدرته على تحمل ضغط تدفق الدم.
كما تبين أن هذه الخلايا تعبر عن جينات مرتبطة بزيادة الاستعداد الوراثي للإصابة بتمدد الأوعية الدموية.
اكتشاف دور غير متوقع للخلايا المناعية
ركز الباحثون أيضًا على نوع محدد من الخلايا المناعية يعرف باسم الماكروفاج (Macrophages).
ولوحظ تراكم هذه الخلايا بالقرب من الخلايا الليفية النشطة داخل جدار الشريان.
وكانت المفاجأة أن هذه الخلايا المناعية أظهرت نشاطا لجين يرتبط عادةً بأنسجة العظام وليس بالأوعية الدموية.
وأظهرت التجارب اللاحقة وجود حلقة تفاعلية ضارة بين هذين النوعين من الخلايا.
حلقة تدمير تضعف جدار الوعاء الدموي
كشفت الدراسة أن الخلايا الليفية النشطة تطلق إشارات كيميائية تحفز الخلايا المناعية على إنتاج إنزيمات قادرة على تدمير البنية الداعمة لجدار الشريان.
وعندما قام الباحثون بإيقاف هذه الإشارات، انخفض إنتاج الإنزيمات المدمرة بشكل ملحوظ.
ويعتقد العلماء أن هذه العملية قد تمثل أحد الأسباب الرئيسية وراء ضعف جدران الأوعية الدموية وزيادة احتمالات تمزقها مع مرور الوقت.
تفسير لغز التمددات الصغيرة
تقدم النتائج تفسيرًا لما يعرف في الأوساط الطبية بـ"مفارقة التمددات الصغيرة".
فعادةً ما يعتمد الأطباء على حجم التمدد الوعائي عند اتخاذ قرار التدخل الجراحي، حيث يتم غالبا مراقبة التمددات التي يقل قطرها عن 7 مليمترات بدلا من علاجها.
لكن الواقع السريري أظهر أن العديد من حالات التمزق تحدث بالفعل في تمددات أصغر من هذا الحد.
ووفقا للباحثين، فإن العوامل البيولوجية والخلوية التي كشفتها الدراسة قد تكون أكثر أهمية من الحجم وحده في تحديد خطر الانفجار.
آفاق جديدة للعلاج والوقاية
يرى الباحثون أن فهم التفاعلات بين الخلايا الليفية والخلايا المناعية قد يفتح المجال أمام تطوير علاجات جديدة تستهدف جذور المشكلة قبل حدوث التمزق.
ومن بين الاستراتيجيات المحتملة:
تعطيل الإشارات الصادرة من الخلايا الليفية النشطة.
تثبيط الاستجابة المناعية الضارة داخل جدار الشريان.
تطوير مؤشرات حيوية تساعد على تحديد التمددات الأكثر خطورة.
ويأمل الفريق البحثي أن يؤدي هذا التقدم إلى إمكانية تثبيت التمددات الوعائية ومنع انفجارها مستقبلا دون الحاجة إلى التدخل الجراحي في بعض الحالات.
أهمية النتائج
تمثل هذه الدراسة خطوة مهمة نحو فهم الآليات البيولوجية الدقيقة التي تتحكم في تطور وتمزق تمددات الأوعية الدموية الدماغية، وهي مشكلة صحية خطيرة ما زالت تسبب آلاف حالات السكتة الدماغية والنزيف الدماغي سنويًا حول العالم.
كما قد تسهم النتائج في تطوير أدوات تشخيصية وعلاجية أكثر دقة، تعتمد على النشاط الخلوي والجيني داخل جدار الشريان بدلا من الاعتماد على حجم التمدد فقط.