توصل فريق من الباحثين في الولايات المتحدة إلى اكتشاف قد يساعد في تفسير أحد أكثر أمراض الرئة المزمنة غموضا وخطورة، وهو التليف الرئوي مجهول السبب. وكشفت الدراسة عن علاقة غير معروفة سابقا بين جهاز المناعة الفطري وميكروبيوم الرئة، مما قد يسهم في فهم أسباب المرض وتطوير خيارات علاجية جديدة.
مرض رئوي خطير لا يزال غامض الأسباب
التليف الرئوي مجهول السبب ( مصدر الصورة: Unsplash )
يُعد التليف الرئوي مجهول السبب (IPF) من الأمراض المزمنة التي تؤدي إلى تدهور وظائف الرئة تدريجيا. وتتسبب الحالة في زيادة سماكة أنسجة الرئة وتليفها وتندبها، ما يؤدي إلى فقدان الحويصلات الهوائية قدرتها على نقل الأكسجين إلى الدم بكفاءة.
ومع تقدم المرض، يواجه المرضى صعوبات متزايدة في التنفس، بينما تظل الأسباب الدقيقة للإصابة غير معروفة، وهو ما يفسر وصف المرض بـ"مجهول السبب".
دراسة تكشف دورا جديدا لبروتين TLR5
أظهرت نتائج الدراسة، التي نُشرت في مجلة Science Translational Medicine، أن نسخة معيبة من بروتين TLR5 قد تكون عاملا رئيسيا في تطور المرض.
ويُعرف بروتين TLR5 بأنه أحد مكونات جهاز المناعة الفطري، حيث يعمل كمستقبل يكتشف التهديدات البكتيرية في مراحلها الأولى. إلا أن الباحثين اكتشفوا أن لهذا البروتين وظيفة إضافية مهمة تتمثل في الحفاظ على التوازن الصحي للبكتيريا الموجودة داخل الرئتين.
تحليل جيني يكشف ارتباطا واضحا بالمرض
بدأ الباحثون بدراسة الحمض النووي لآلاف الأشخاص، سواء المصابين بالتليف الرئوي مجهول السبب أو غير المصابين به، بهدف البحث عن علاقة بين الطفرات الجينية في جين TLR5 والإصابة بالمرض.
وأظهرت النتائج أن متغيرا جينيا محددا يُعرف باسم rs5744168 كان أكثر شيوعا بشكل ملحوظ لدى المرضى المصابين بالتليف الرئوي مقارنة بالأشخاص الأصحاء، ما عزز فرضية أن الخلل في بروتين TLR5 قد يزيد من خطر الإصابة بالمرض.
تجارب على الفئران تؤكد تأثير الخلل الجيني
انتقل الباحثون بعد ذلك إلى إجراء تجارب مخبرية على الفئران.
وأظهرت النتائج أن الحيوانات التي تم تعطيل جين TLR5 لديها تعرضت لتليف رئوي أكثر شدة بعد إصابة الرئة، كما فقدت وزنا أكبر وسجلت معدلات بقاء أقل مقارنة بمجموعة الفئران السليمة.
كما كشف تحليل ميكروبيوم الرئة لدى هذه الفئران، إضافة إلى أشخاص يحملون الطفرة الجينية نفسها، عن انخفاض واضح في التنوع البكتيري، بالتزامن مع زيادة كبيرة في أعداد البكتيريا التابعة لمجموعة البروتيوباكتيريا، والتي تضم العديد من الأنواع المسببة للأمراض.
وأشار الباحثون إلى أن هذا الخلل أدى إلى اضطراب التوازن البكتيري الطبيعي داخل الرئتين.
إصلاح الميكروبيوم يقلل من التليف الرئوي
أحد أبرز نتائج الدراسة تمثل في نجاح العلماء في الحد من تطور التليف الرئوي لدى الفئران التي تعاني من خلل في TLR5.
فعند استخدام المضادات الحيوية للحد من النشاط البكتيري، لم يتطور التليف الحاد كما كان متوقعا.
كما أظهرت التجارب أن استعادة التوازن البكتيري الصحي عبر زراعة الميكروبيوم البرازي ساهمت جزئيا في إعادة التأثير الوقائي الذي فُقد نتيجة الخلل في البروتين.
وتؤكد هذه النتائج أن بروتين TLR5 يحمي الرئتين بشكل أساسي من خلال تنظيم التوازن البكتيري داخل الجهاز التنفسي.
فرص جديدة لتطوير علاجات مستقبلية
يحمل هذا الاكتشاف أهمية كبيرة نظرا إلى محدودية العلاجات المتاحة حاليا لمرض التليف الرئوي مجهول السبب وسوء التوقعات الصحية المرتبطة به.
ويرى الباحثون أن النتائج تفتح عدة مسارات علاجية واعدة، من بينها تحديد أنواع البكتيريا التي قد تسهم في تحفيز عملية التليف، خاصة ضمن مجموعة البروتيوباكتيريا، والعمل على تطوير علاجات مضادة لها بشكل دقيق.
كما تطرح الدراسة فكرة استخدام زراعة ميكروبيوم الرئة، على غرار زراعة ميكروبيوم الأمعاء، كخيار علاجي محتمل للمرضى الذين يحملون طفرات في جين TLR5.
إمكانية الكشف المبكر عن الأشخاص الأكثر عرضة للخطر
يشير الباحثون أيضا إلى أن الفحص الجيني للكشف عن المتغير rs5744168 قد يصبح مستقبلا أداة مهمة لتحديد الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة بالتليف الرئوي مجهول السبب قبل ظهور الأعراض السريرية.
وإذا أكدت الدراسات المستقبلية هذه النتائج، فقد يسهم ذلك في تحسين فرص التشخيص المبكر والتدخل العلاجي في مراحل مبكرة من المرض، مما قد ينعكس إيجابا على حياة المرضى ومعدلات البقاء على قيد الحياة.